تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تجاوزت ساحة المعركة، لتضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة قد تستمر آثارها لفترة طويلة حتى بعد انتهاء المواجهات. وفي هذا السياق، تحوّل مضيق هرمز إلى إحدى أبرز النقاط المؤثرة في المعادلات الاقتصادية العالمية، نظراً إلى دوره الاستراتيجي في نقل الطاقة وتأثير أي اضطراب في حركة الملاحة فيه على سلاسل الإمداد وتكاليف النقل والإنتاج الصناعي والأمن الغذائي.
وحذّر موقع شبكة «آر تي» الروسية، في تقرير بعنوان «الاقتصاد العالمي يترنح وعاصفة تلوح في الأفق»، من التداعيات الاقتصادية للحرب على إيران، مشيراً إلى أن صدمة الطاقة قد تزيد مخاطر ارتفاع التضخم وتراجع النمو الاقتصادي وتفاقم أزمة الديون. وتأتي هذه التحذيرات في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي مجموعة من التحديات المترابطة التي قد تؤدي زيادة تكاليف الطاقة إلى تفاقمها، وتضع الحكومات أمام خيارات صعبة.
مضيق هرمز؛ شريان حيوي للاقتصاد العالمي
لا يُعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري في الخليج الفارسي، بل يمثل أحد الشرايين الرئيسية لإمدادات الطاقة العالمية، إذ تمر عبره حصة مهمة من صادرات النفط والغاز في المنطقة. ويمكن لأي اضطراب في حركة السفن أن يؤدي إلى نقص المعروض في الأسواق، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، وزيادة تقلبات الأسعار.
وحتى قبل ظهور نقص فعلي في الإمدادات، فإن المخاوف من استمرار الاضطرابات في هذا الممر الاستراتيجي قد تغير توقعات الفاعلين الاقتصاديين وتدفع الأسعار إلى الارتفاع.
وتتفاعل أسواق الطاقة مع التوقعات المستقبلية، وليس فقط مع مستويات العرض والطلب الراهنة. فعندما تتوقع الشركات والحكومات احتمال استمرار صعوبات نقل النفط والغاز لفترة طويلة، فإنها تسعى إلى تأمين مصادر بديلة وتعزيز احتياطياتها، وهو ما قد يزيد الضغوط على الأسعار.
وفي المقابل، فإن نقل الشحنات عبر مسارات بديلة، عندما يكون ذلك ممكناً، يتطلب عادة تكاليف ووقتاً إضافيين، ولا يمكنه تعويض كامل الطاقة الاستيعابية المفقودة بسرعة.
ولا تقتصر أهمية مضيق هرمز على الدول المنتجة للطاقة أو المستهلكة المباشرة للنفط والغاز، إذ تكون الاقتصادات الأكثر اعتماداً على واردات الطاقة أشد عرضة لارتفاع الأسعار، فيما لا تبقى الدول الصناعية بمنأى عن هذه التداعيات. فارتفاع تكاليف الوقود يزيد تكلفة إنتاج السلع، قبل أن ينتقل جزء من هذه الأعباء إلى المستهلكين، ما يجعل أي اضطراب إقليمي قضية ذات أبعاد عالمية.
من ارتفاع أسعار الطاقة إلى تفاقم التضخم
تتمثل أولى نتائج صدمة الطاقة في ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، لكن تداعياتها لا تقتصر على هذين القطاعين. فالطاقة تؤدي دوراً أساسياً في قطاعات واسعة من الاقتصاد، بدءاً من الصناعات الثقيلة والزراعة وصولاً إلى الخدمات ونقل البضائع.
ويمكن لارتفاع أسعار الوقود أن يزيد تكاليف تشغيل المصانع، ويرفع كلفة نقل المنتجات، ويضاعف الضغوط على أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية.
وفي مثل هذه الظروف، تواجه الحكومات والبنوك المركزية معادلة معقدة. فإذا تحول ارتفاع أسعار الطاقة إلى موجة أوسع من التضخم، فستصبح السيطرة على الأسعار أكثر صعوبة. ويُعد رفع أسعار الفائدة إحدى الأدوات المستخدمة لمكافحة التضخم، إلا أن هذه السياسة قد تزيد تكاليف الاقتراض، وتحد من الاستثمارات، وتبطئ النشاط الاقتصادي.
وفي المقابل، فإن إحجام صناع السياسات عن تشديد السياسة النقدية بهدف حماية النمو الاقتصادي قد يزيد مخاطر استمرار التضخم لفترة أطول.
وهكذا، يمكن لصدمة في إمدادات الطاقة أن تتحول من ارتفاع مؤقت في الأسعار إلى تهديد للاستقرار الاقتصادي. وقد تضطر الحكومات إلى الموازنة بين كبح التضخم ودعم الأسر والحفاظ على النمو، في وقت يصعب فيه تحقيق أي من هذه الأهداف من دون تكاليف.
وبعبارة أخرى، فإن ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي في آن واحد إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وتقليص هامش الخيارات المتاح أمام الحكومات.
النمو الاقتصادي تحت ضغط التكاليف
إلى جانب التضخم، يفاقم ارتفاع تكاليف الطاقة المخاوف بشأن آفاق النمو الاقتصادي العالمي. فعندما تخصص الأسر حصة أكبر من دخلها للوقود والكهرباء والنقل والمواد الغذائية، تتراجع الموارد المتاحة لديها لشراء السلع والخدمات الأخرى.
وقد يؤدي انخفاض الطلب الاستهلاكي إلى الضغط على إيرادات الشركات، ودفعها إلى خفض الإنتاج أو تقليص الاستثمارات أو تسريح بعض العاملين.
وفي قطاع الإنتاج، تواجه الشركات خيارين صعبين: رفع أسعار منتجاتها أو تحمل انخفاض هوامش أرباحها. ولكلا الخيارين تداعيات سلبية؛ إذ قد يؤدي رفع الأسعار إلى تراجع القدرة التنافسية للشركات وزيادة الضغوط التضخمية، بينما يحد انخفاض الأرباح من قدرتها على التوسع والاستثمار وتوفير فرص العمل.
وبذلك، يمكن لصدمة الطاقة أن تضعف النمو الاقتصادي عبر مسارات متعددة.
وتكون التداعيات أشد على الاقتصادات النامية، إذ يواجه العديد منها ارتفاع فاتورة واردات الطاقة بالتزامن مع محدودية موارد النقد الأجنبي وارتفاع الديون الخارجية واتساع الاحتياجات التنموية. وقد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى الضغط على موازينها التجارية وزيادة تكاليف توفير العملات الأجنبية، ما يضع الحكومات أمام خيارات صعبة بين تأمين الاحتياجات الأساسية والحفاظ على الموارد المالية المخصصة للقطاعات الأخرى.
أزمة الديون؛ حلقة أخرى في سلسلة التداعيات
من أبرز المخاوف الترابط بين التضخم وأسعار الفائدة وديون الحكومات. فالدول التي تعاني أصلاً من مستويات مرتفعة من الديون قد تضطر، في حال زيادة تكاليف الاقتراض، إلى تخصيص مزيد من مواردها لسداد الالتزامات المالية، الأمر الذي يحد من قدرتها على دعم الأسر ومساندة القطاعات المتضررة والاستثمار في البنية التحتية.
ومن جهة أخرى، فإن لجوء الحكومات إلى زيادة دعم الطاقة أو تقديم مساعدات إضافية للتخفيف من ارتفاع تكاليف المعيشة والحد من الضغوط الاجتماعية قد يضيف أعباء جديدة إلى الموازنات العامة.
وقد تكون هذه الإجراءات ضرورية على المدى القصير، لكن استمرارها يصبح أكثر صعوبة في ظل تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف التمويل.
وعلى هذا النحو، قد تؤدي صدمة الطاقة في الوقت نفسه إلى تراجع الدخل الحقيقي للأسر، وإبطاء النشاط الاقتصادي، وزيادة تكلفة تمويل الحكومات.
ومع ذلك، لن تتساوى آثار هذه التداعيات بين جميع الدول؛ إذ يعتمد مستوى التعرض للمخاطر على حجم احتياطيات الطاقة، وتنوع مصادر الإمداد، والوضع المالي للحكومات، وإمكانية الاستفادة من المسارات البديلة.
لكن في اقتصاد عالمي مترابط تعتمد فيه سلاسل الإمداد على بعضها بعضاً، يصعب على أي دولة عزل نفسها تماماً عن آثار الاضطرابات المطولة في أسواق الطاقة.
تكلفة تتجاوز ساحة المعركة
تعيد التحذيرات من عاصفة اقتصادية التأكيد على حقيقة أساسية، وهي أن تكاليف الصراعات العسكرية لا تبقى بالضرورة محصورة في المناطق التي تشهد المواجهات. فارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد وتفاقم التضخم وزيادة الديون قد تنقل أعباء الأزمة إلى اقتصادات دول لا تشارك مباشرة في الحرب.
ومن هذا المنطلق، لا يمثل مضيق هرمز ممراً استراتيجياً فحسب، بل يشكل نقطة محورية في العلاقة بين الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي العالمي.
كما أن التداعيات الاقتصادية لهذا الوضع بالنسبة إلى واشنطن وحلفائها لا تنفصل عن الحسابات العسكرية. فكلما طال اضطراب أسواق الطاقة، ازدادت الضغوط على المستهلكين والصناعات والحكومات، وأصبح الرجوع سريعاً إلى الأوضاع الطبيعية أكثر صعوبة.
وحتى بعد تراجع التوترات، قد تستغرق إعادة بناء سلاسل الإمداد وتعويض الاحتياطيات وإعادة ضبط تكاليف النقل وقتاً طويلاً.
وفي المحصلة، لا يقتصر السؤال على مدى ارتفاع أسعار النفط، بل يتعلق أيضاً بقدرة الاقتصاد العالمي على تحمل صدمات متزامنة في الطاقة والتضخم والنمو وتكاليف الديون.
فإذا استمرت هذه الضغوط مجتمعة لفترة طويلة، فقد تتجاوز آثارها تقلبات الأسواق لتؤدي إلى إضعاف القدرات الاقتصادية للحكومات وتقليص القوة الشرائية للمجتمعات.
ومن هنا، فإن أي تقييم لتداعيات الحرب على إيران ينبغي ألا يقتصر على ما يجري في ساحة المعركة، بل يجب أن يشمل أيضاً أسواق الطاقة وموازنات الحكومات والحياة اليومية للمواطنين في مختلف أنحاء العالم.