العربية

خلف الأبواب المغلقة فی الریاض، من یملک زمام الأمور؟

يُعقد الاجتماع الطارئ في الرياض لمراجعة الحرب في اليمن في وقتٍ قد يُؤدي فيه الاعتماد على الحل العسكري إلى جرّ تحالف مكة إلى لعبة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني؛ وهو مسارٌ لن يُحقق الأمن، بل سيُؤدي إلى تصعيد الأزمة وإغلاق باب المندب مجدداً.

خلف الأبواب المغلقة فی الریاض، من یملک زمام الأمور؟
0 دقيقة

نورنيوز: في خضم سلسلة الأزمات التي فرضتها الهيمنة الأمريكية واحتلال الكيان الصهيوني على غرب آسيا، وفي ظلّ وضعٍ بات فيه طرد الولايات المتحدة من المنطقة ودعم فلسطين مطلبين أساسيين بين دول المنطقة، تستضيف الرياض يوم الاثنين اجتماعاً طارئاً للجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية لتحالف مكة، بحضور مسؤولين سعوديين وباكستانيين وأتراك رفيعي المستوى، لمراجعة آخر التطورات في المنطقة واستراتيجيات مواجهة هجمات أنصار الله اليمنية. يكشف هذا الاجتماع، الذي يُعقد في صورة ادعاء بالتقارب الإقليمي، عن أبعاد جديدة لابتعاد المنطقة عن المظلة الأمنية الأمريكية، في حين تشير الأدلة المتاحة إلى حقيقة هامة: أن العمل العسكري ضد اليمن ليس شرطًا أساسيًا للأمن وتحقيق أهداف هذا التحالف، بل هو بالأحرى خطأ في التقدير ولعبة على أرض الولايات المتحدة والكيان الصهيوني؛ لعبة يعتمد فيها بقاء هيمنتهم واحتلالهم على تصعيد الأزمات الإقليمية.

تحالف مكة: من ادعاء التقارب إلى الاختبار الميداني

يُعقد اجتماع الرياض في ظل مرور وقت طويل على الاجتماع الأول والادعاءات بانضمام عشرات الدول إلى هذا التحالف، ولكن عمليًا، لم تُسفر هذه التحالفات المزعومة عن أي نتائج ملموسة وموثوقة. ورغم إعلان مسؤولين باكستانيين وأتراك دعمهم للسعودية في مواقف مختلفة، إلا أن حقيقة هامة حالت دون اتخاذهم أي إجراء فعلي، ألا وهي الطبيعة القومية لعمليات أنصار الله والجيش اليمني ضد العدوان السعودي.

لم تنتهج السعودية حصار اليمن وعدوانها عليه من منطلق دفاعي، بل ضمن إطار نهج احتلالي وانتهاك لميثاق الأمم المتحدة، وقد تصدى اليمنيون لهذا العدوان انطلاقاً من مبدأ الدفاع عن النفس. وإذا كان تحالف مكة ذا طبيعة دفاعية، فلا يمكن أن يكون له دور عملي في الحرب اليمنية، ولذلك اكتفى قادة تركيا وباكستان حتى الآن بالمواقف السياسية بدلاً من العمل الفعلي.

أمريكا: حليف غير موثوق به وعقل مدبر لألعاب الوكالة

من أهم جوانب تشكيل تحالفات مثل تحالف مكة هو تزايد انعدام ثقة دول المنطقة في المظلة الأمنية الأمريكية. فقد أظهرت حرب رمضان أن الولايات المتحدة ليست عاجزة فقط عن ضمان أمن قواتها، بل إن مبدأ "إسرائيل أولاً" وتجاهل أمن الدول العربية أصبحا أكثر وضوحاً من ذي قبل، فضلاً عن إنفاق مليارات الدولارات لشراء الأسلحة الأمريكية. ومن الطبيعي أن يدفع هذا الوضع الدول إلى تشكيل تحالفات محلية وإقليمية.

على الرغم من أن هذه العملية قد تُعتبر خطوة إيجابية نحو مواجهة الهيمنة الأمريكية وخداعها، إلا أن هناك خطرًا من أن تُقحم واشنطن هذه التحالفات نفسها في لعبة تأجيج الأزمات عبر حروب بالوكالة. وقد امتنعت الولايات المتحدة عن دخول الحرب مباشرةً نظرًا لتجربتها في الهزيمة أمام المقاومة اليمنية، بينما تسعى في الوقت نفسه إلى دفع تحالف مكة نحو الحرب مع اليمن. ويُعدّ مقاطعة الخطوط الجوية الإيرانية والعراقية بهدف زعزعة العلاقات بين البلدين، فضلًا عن محاولة جرّ سوريا إلى حرب مع حزب الله اللبناني، جزءًا من هذه العملية. يجب على تحالف مكة أن يراقب هذه التطورات قبل اتخاذ أي قرارات، وأن يتجنب الوقوع في الفخ الذي رسمته الولايات المتحدة لتصعيد الأزمة.

سوء تقدير: عندما يلعب التحالف على أرض العدو

تُعدّ تحركات الكيان الصهيوني وبعض دول المنطقة، بما فيها الإمارات العربية المتحدة، لخلق توترات جديدة ودفع الدول العربية إلى التنازل لهذا الكيان، من النقاط المهمة في التطورات الأخيرة. تُعتبر زيارة نتنياهو للإمارات العربية المتحدة ولقاؤه المزعوم مع بعض المسؤولين العرب، إلى جانب حادثة فلاي دبي المشبوهة، جزءًا من هذه العملية؛ وهي عملية تسعى، من جهة، إلى إجبار السعودية على تقديم تنازلات للكيان الصهيوني من خلال ادعاء تأمين المنطقة، ومن جهة أخرى، من خلال إثارة قضية الطيار العماني، يمارس ضغطًا على سلطنة عُمان.

ويسعى نتنياهو، عشية انتخابات الكنيست، إلى إدارة الأجواء الانتخابية من خلال تهيئة المناخ السياسي وإظهار إنجازات مزعومة في القضاء على الأعداء دون إنفاق مبالغ طائلة.

وإذا ما تحققت أنباء دخول تحالف مكة في الحرب مع اليمن، ونشر ما بين 30 و40 ألف جندي باكستاني في السعودية، فسيكون ذلك بمثابة لعبة تُدار على هذا الأساس.

المضائق: الاختبار الحقيقي للأمن المحلي في المنطقة

تحمل التطورات من مضيق هرمز إلى باب المندب دروسًا أمنية هامة لاجتماع الرياض. إن الحقوق القانونية والمشروعة، فضلاً عن القدرة العالية لإيران واليمن على حماية مضيق هرمز وباب المندب، تُظهر أن استخدام القوة لا يحل مشكلة أمن هذه المعابر فحسب، بل قد يؤدي إلى إغلاقها بشكل أكبر.

وكما أدى التدخل الأمريكي في الخليج الفارسي إلى إبقاء مضيق هرمز مغلقاً، فإن سوء تقدير تحالف مكة ودخوله الحرب اليمنية قد يُؤدي أيضاً إلى مواجهة باب المندب ظروفاً أكثر تعقيداً. لذا، يُمكن أن يُفضي اجتماع الرياض إلى أمن حقيقي عندما يتبنى، بدلاً من النهج العدائي والتحريضي على الحرب، مسار الحوار مع اليمن، وينهي العدوان العسكري، ويُواصل الحوار مع أنصار الله بوصفهم الحكومة الشرعية والشعبية لليمن.

إن الأمن المحلي لا معنى له دون استقلال حقيقي، ودون انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، ومواجهة الكيان الصهيوني، والاعتراف بحق اليمنيين في الحياة، وتقديم دعم عملي لفلسطين. لا يمكن الحديث عن توطين الأمن، وفي الوقت نفسه قبول بيع أسلحة أمريكية بمليارات الدولارات، ونشر منظومات باتريوت في السعودية وقطر، ومنع بعض الدول العربية من التدخل في مبادرة إيران وعُمان بشأن وضع الهجوم ودور مضيق هرمز، والادعاءات الباطلة ضد إيران.

يُعدّ انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة ومواجهة الكيان الصهيوني محور توطين الأمن، وإيران واليمن على استعداد لدعم هذه العملية وتعزيزها. بدلاً من اللجوء إلى حرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في اليمن، يمكن لاجتماع الرياض أن يُشكّل خطوة نحو أمن حقيقي، وطرد الولايات المتحدة، ومواجهة الكيان الصهيوني؛ وإلا فقد يتحوّل من اجتماع أمني إلى مجرد استعراض إعلامي، بل وربما خطأ فادح في تقدير الأمور بالانخراط في الحرب اليمنية. إن مصير المنطقة يتحدد بالمقاومة، وقد انتهى عهد الانفرادية الأمريكية وتحقيق الأهداف من خلال اللعب على أرض واشنطن.

 

المصدر: نورنيوز
إرسال التعليق