وأفاد مراسل “إرنا” بأن مساعي واشنطن لعرقلة مسارات خطوط الطيران الإيرانية وفرض عقوبات ثانوية على الدول التي تتعاون مع إيران، بوصفها امتداداً لإجراءات الحصار البحري لموانئ البلاد وسواحلها، تُعتبر في إطار القانون الدولي استمراراً للعدوان العسكري على السيادة الوطنية وسلامة الأراضي الإيرانية.
وفي معرض الرد على هذه التهديدات غير المسبوقة، وجّه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، تحذيراً شديد اللهجة إلى دول الجوار من تبعات مواكبة واشنطن، مشدداً في تصريح لوسائل الإعلام الرسمية على أن «مطارات أي دولة تواكب هذه المغامرة لن تكون قادرة على مواصلة نشاطها بعد الآن».
هذا وصُممت الإجراءات الأمريكية الرامية إلى فرض حصار اقتصادي على إيران، بناءً على اعترافات صريحة لمسؤولين أمريكيين، بهدف معلن يتمثل في “إسقاط الاقتصاد المدني وفرض عزلة مطلقة على طهران”؛ ولهذا السبب، فإنها تُقيَّم من منظور القانون الدولي باعتبارها تتجاوز مجرد أداة قسرية دبلوماسية أو اقتصادية. ويأتي ذلك في وقت هددت فيه وزارة الخزانة الأمريكية رسمياً، منذ الأسبوع الماضي، بعزل أي دولة تسمح لخطوط الطيران الإيرانية بالتحليق في أجوائها أو تقدم خدمات أرضية للطائرات الإيرانية، من النظام المالي القائم على الدولار.
وكان وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بسنت، قد صرح بوضوح يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي قائلاً: إننا نمارس ضغوطاً على الإيرانيين لم يسبق لهم أن رأوها من قبل. لقد خضنا ستة أسابيع من العمليات العسكرية المسلحة، ونفرض الآن حصاراً، ونشهد حالياً مساعي غير مسبوقة من حيث تضييق الخناق وقطع الأكسجين المالي عنهم.
ومن منظور القانون الدولي، فإن فرض مثل هذه الظروف المميتة على ملايين المواطنين دون تحقيق أهداف عسكرية محددة، لا يشكل انتهاكاً جوهرياً لميثاق الأمم المتحدة فحسب، بل يُعد -من خلال اللجوء إلى الحرمان الممنهج- تجسيداً واضحاً للاستخدام غير القانوني للقوة وجريمة حرب.
إن الحصار الذي تفرضه واشنطن على طهران يفتقر إلى أي أساس للشرعية في القانون الدولي. وإن إجراءات الولايات المتحدة لا تندرج ضمن إطار ميثاق الأمم المتحدة، كما أنها لا تحظى بأي تفويض من مجلس الأمن الدولي بموجب القانون الدولي؛ ونتيجة لذلك، تُعد الأعمال العسكرية الأمريكية، بما في ذلك الحصار البحري ومحاولات حصار الأجواء الإيرانية، بمثابة عدوان عسكري واستخدام غير قانوني للقوة.
وقد وصف غوا جياكون، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، هذه الإجراءات بأنها عقوبات أحادية الجانب وغير قانونية على الإطلاق، مؤكداً أن بكين تعارض بشدة أي إجراء يفتقر إلى السند القانوني الدولي أو تفويض من مجلس الأمن.
ولهذا السبب، لا يمكن اعتبار الحصار البحري والمحاولات الأخيرة لحصار الأجواء الإيرانية، وحتى قطع الطرق البرية التي تربط إيران بجيرانها، مجرد إجراء اقتصادي أو ضغط عقوبات، بل تُعد هذه الأعمال من الناحية القانونية استمراراً للعدوان العسكري الذي بدأ في 28 فبراير 2026، وهو الآن على أعتاب دخول شهره الثامن.
استراتيجية ما يسمى بـ «الخنق الاقتصادي» بمثابة جريمة حرب
يرتقي حصار أي بلد إلى مستوى الجريمة الدولية عندما ينتهك القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني ويعرض حياة المدنيين للخطر. ويُعد منع وصول السكان المدنيين إلى الضروريات الأساسية للبقاء وخلق ظروف مميتة من أهم معايير إثبات عدم قانونية هذه الإجراءات. ويصنف نظام روما الأساسي، في مادته الثامنة، التجويع المتعمد للمدنيين وحرمانهم من الاحتياجات الحيوية كوسيلة من وسائل الحرب ضمن جرائم الحرب. كما يمكن ملاحقة الحصار، كجزء من هجوم واسع النطاق ضد المدنيين، باعتباره جريمة ضد الإنسانية بموجب المادة السابعة من نظام روما الأساسي.
هذا وتعتبر “دليل سان ريمو” والقواعد العرفية للجنة الدولية للصليب الأحمر (القواعد 53، 55، 56) صراحةً أن الحصار الذي يؤدي إلى حرمان منهجي للمدنيين من السلع الحيوية هو حصار غير قانوني، كما تثبت اتفاقية جنيف الرابعة (المادتان 23 و55) والبروتوكول الإضافي الأول (المادة 54) هذا الحظر نفسه.
إن إجراءات الولايات المتحدة في فرض حصار بحري غير تمييزي على جميع الموانئ والسواحل الإيرانية، ومحاولات إغلاق المجال الجوي المدني الإيراني عبر إجبار الدول على إغلاق أجوائها أمام الطائرات المدنية الإيرانية، تُعد مصداقاً لممارسة الضغط غير التمييزي ضد المدنيين.
إجراءات واشنطن «الاقتصادية».. ليست سوى استمرار للعمليات العسكرية الهادفة للإضرار بالشعب الإيراني
في قطاع الطيران، استهدفت العقوبات الجديدة نحو 27 شركة طيران إيرانية، إلى جانب شركات الطيران التي كانت مدرجة سابقاً على قائمة العقوبات، بما في ذلك “ماهان” و"إيران إير" و"قشم إير". وكانت شركات الطيران هذه قد فقدت بالفعل جزءاً كبيراً من شبكة رحلاتها الأوروبية والإقليمية بسبب الضغوط الدولية المستمرة. وتُظهر هذه الحقائق أن الحصار والعقوبات لا تحققان أي ميزة عسكرية في الحرب للولايات المتحدة الأمريكية، بل إن هدفهما الوحيد هو إلحاق أكبر قدر من الضرر بالقطاعات المدنية للاقتصاد والإضرار بالمواطنين العاديين؛ وهو أمر يثبت أكثر من أي وقت مضى أن ما يطلق عليه الأمريكيون «عمليات الغضب الاقتصادي» و«عمليات الطرد الاقتصادي» ليس سوى استمرار للعمليات العسكرية بهدف إلحاق المزيد من الضرر بالشعب الإيراني.
وإن ربط قيود الملاحة الجوية والبحرية ببرنامج «الخنق الاقتصادي» يمثل مؤشراً على تحول طبيعة العقوبات من أدوات دبلوماسية إلى أسلحة للقتل الصامت. وإن استمرار هذا المسار، وبالنظر إلى الحجج القانونية الراسخة، لا يهدد السلم الدولي فحسب، بل سيضع مرتكبيه وحتى الدول التي تتعاون معهم في مواجهة اتهامات بارتكاب جرائم حرب ممنهجة.