في

رسالة من الهند لا يمكن لواشنطن تجاهلها

قدّمت قمة البريكس في الهند، إلى جانب كونها ملتقى اقتصاديًا، صورةً للقدرات الجديدة للتقارب العالمي؛ حيث أبرز تفاعل إيران مع الهند وجيرانها الدور الاستراتيجي لطهران وضرورة تجاوز الأحادية.

رسالة من الهند لا يمكن لواشنطن تجاهلها
0 دقيقة

مجموعة نورنيوز الدولية: حددت قمة البريكس، التي حضرها ممثلون عن البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا ومصر وإثيوبيا وإندونيسيا والإمارات العربية المتحدة وجمهورية إيران الإسلامية، واستضافتها الهند، والتي أصدرت بيانًا ختاميًا، مسارات العمل المستقبلية لهذه المجموعة في ظل سلسلة التطورات التي شهدتها أيام القمة، ولا سيما محاور الاجتماعات وخطابات الدكتور مسعود بيزكيان، رئيس جمهورية إيران الإسلامية، والتي تشير إلى تكوين قدرات من شأنها، في حال تضافر جهود الأعضاء، تحويل البريكس من إطار اقتصادي إلى لاعب فاعل في النظام العالمي الجديد.

للوهلة الأولى، تبدو زيارة الرئيس الإيراني للهند استمرارًا لسياسة التقارب مع دول المنطقة والقوى الصاعدة؛ وهي سياسة شكّلت إحدى أولويات جهاز السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في السنوات الأخيرة. إن قدرات إيران ومكانتها في المعادلات الإقليمية والعالمية تجعل حتى القادة الهنود، رغم تقاربهم مع الغرب، يؤكدون على ضرورة تطوير العلاقات مع طهران، وكانت الهدية الرمزية "شال الحب" للرئيس الإيراني دلالة على الاحترام الخاص والعزم على تعميق العلاقات.

كما يُظهر النهج التفاعلي الذي تتبعه طهران مع نيودلهي أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تُدير علاقاتها الخارجية في إطار المصالح الوطنية، دون الانجرار إلى تحالفات محدودة؛ فإلى جانب علاقاتها الواسعة مع روسيا والصين وباكستان، تربطها أيضًا علاقات بناءة مع الهند، وهي دولة تختلف مع بعض هذه القوى.

والأهم من ذلك، أنه على الرغم من العلاقات الواسعة التي تربط الهند بالولايات المتحدة والكيان الصهيوني في السنوات الأخيرة، فإن التطورات التي أعقبت حرب رمضان، ولا سيما إدارة إيران لمضيق هرمز، قد فرضت واقعًا جديدًا على نيودلهي. فقد أدركت الهند أنه بدون الانخراط مع طهران، سيواجه دورها الفعال، بل وحتى توفير الطاقة المستدامة من غرب آسيا، قيودًا خطيرة. ويُعد هذا الواقع اعترافًا من إحدى القوى العظمى الصاعدة في العالم بمكانة إيران وسلطتها، وهو في حد ذاته إنجاز هام لتنسيق الجهود الميدانية والدبلوماسية في سبيل حماية المصالح الوطنية.

كان من أبرز محطات زيارة الرئيس إلى الهند لقاؤه بولي عهد الإمارات العربية المتحدة؛ وهو لقاء يتجاوز دلالاته مجرد لقاء سياسي عادي. فقد أُدرجت الإمارات في بعض الأحيان ضمن السياسات المعادية لإيران التي تنتهجها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بل وأصبحت مركزًا لبعض التحركات ضد إيران، لا سيما في المجال الاقتصادي. مع ذلك، لم تعرقل طهران مسار الحوار مع جيرانها حتى في ذروة المواجهة.

يُظهر هذا النهج أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعتبر الأمن الإقليمي مرهونًا بتقارب جهود جيرانها؛ وهي سياسة تجمع بين ردٍّ حازم وسريع وقاطع على المعتدين، وبين الدبلوماسية والحوار المستمرين. يُمكن اعتبار هذا المزيج دليلاً على النضج السياسي، والقوة العسكرية، والقدرة على الصمود في وجه الضغوط والتهديدات؛ لأن القوة الحقيقية لا تقتصر على القدرة على الرد عسكريًا، بل تتجلى أيضًا في القدرة على إدارة الميدان والدبلوماسية في آنٍ واحد.

إيران: القدرة الاستراتيجية في مواجهة العقوبات

من أهم رسائل قمة البريكس استمرار التوجه الذي برز سابقًا في قمة شنغهاي؛ وهو تركيز دولٍ عديدة على استغلال قدرات إيران لمواجهة الإرهاب الاقتصادي الغربي وتحقيق أهداف اقتصادية مشتركة. الرسالة الواضحة لهذا التوجه هي أن مشروع عزل إيران بعيد كل البعد عن واقع العلاقات الدولية.

أكد الرئيس الإيراني في خطابه على الإمكانيات الواسعة لبلاده، وأعلن استعداد الجمهورية الإسلامية الإيرانية للعب دور الشريك الاستراتيجي لمجموعة البريكس في سلاسل إمداد الطاقة والغذاء والنقل. وشملت المقترحات المطروحة قدرات إيران في مجال الذكاء الاصطناعي والمعرفة العالمية، واستخدام العملات الوطنية في المعاملات، وتعزيز البنك المشترك لمجموعة البريكس.

وبالاعتماد على القدرات المحلية التي أثبتت جدارتها خلال حرب رمضان، تستطيع إيران أيضاً أن تلعب دوراً فعالاً في بناء آليات أمنية واقتصادية محلية. وفي هذا السياق، يمكن للدعم الاقتصادي والسياسي الذي تقدمه دول البريكس لإيران أن يُسهم في تشكيل آلية عملية لمواجهة الضغوط الأمريكية الأحادية.

كما يُعدّ تحكم إيران في مضيق هرمز عاملاً حاسماً في هذه المعادلة؛ وهو واقع لن يُعيد المنطقة إلى ما كانت عليه في الماضي. ومن وجهة نظر طهران، يُعتبر هذا التحكم دفاعاً مشروعاً، ويساهم في حماية أمن الطاقة العالمي في مواجهة مساعي الولايات المتحدة للهيمنة على الممرات والموارد الاستراتيجية في العالم.

مجموعة البريكس: من بيان مشترك إلى نشاط عالمي

يُعدّ البيان الختامي لقمة البريكس، ربما، أهم وثيقة لقياس قدرة هذه المجموعة؛ وهو بيان، على عكس العديد من القمم الغربية التي تحول فيها الخلافات دون إصدار نص مشترك، صدر بتوافق آراء الأعضاء، وتناول سلسلة من القضايا العالمية الهامة.

ومن بين محاور هذا البيان: إدانة الهجمات على المنشآت النووية السلمية والبنية التحتية المدنية، والتأكيد على حل التوترات في غرب آسيا من خلال ضبط النفس واحترام سيادة الدول، ومعارضة العقوبات الأحادية والتدابير القسرية، ودعم انضمام إيران إلى منظمة التجارة العالمية، وتعزيز التجارة بالعملات الوطنية والاستقلال عن النظام المالي الغربي، وإصلاح الحوكمة العالمية والمؤسسات المالية الدولية، ودعم القضية الفلسطينية.

... إن دعم سيادة لبنان، وإدانة عدوان الكيان الصهيوني، وحماية السيادة الوطنية والسلامة الإقليمية للدول، والتأكيد على منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، ومكافحة الإرهاب دون ازدواجية في المعايير، وتعزيز التعددية وتعدد أقطاب النظام العالمي، والاهتمام بدور الجنوب العالمي، والتعاون في مجال الطاقة والمعادن الاستراتيجية، كلها مجالات أخرى تحظى بالاهتمام.

وتُظهر هذه العناصر مجتمعةً أن مجموعة البريكس لم تعد مجرد اجتماع سنوي، بل يُمكن أن تُصبح تحالفًا ذا أهداف عالمية كبرى؛ تحالفًا، إذا ما تجاوز مرحلة الإعلان وانتقل إلى آليات عملية، سيتمكن من لعب دور في صياغة النظام العالمي الجديد. وفي ظل تهديد الأحادية الغربية الصهيونية للأمن العالمي، يُعد تعزيز النهج البراغماتية ضرورة لا غنى عنها، وقد أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أيضًا استعدادها للتعاون في هذا الاتجاه نحو بناء نظام عادل ومتعدد الأقطاب.


نورنيوز

إرسال التعليق