العربية

عراقجی یزور ترکمانستان .. ایران تکثّف جهودها لتعزیز سیاسة الجوار

تعد زيارة وزير الخارجية الإيراني "عباس عراقجي" إلى تركمانستان في آسيا الوسطى في ظل الأجواء المتوترة الناجمة عن الاعتداءات العسكرية الأمريكية والصهيونية في غرب آسيا، تأكيداً متجدداً على أهمية سياسة الجوار التي تنتهجها طهران؛ وهي سياسة تتابع بجدية أكبر من أي وقت مضى، لا سيما مع الدول ذات المشتركات الحضارية مع إيران، بهدف ترسيخ العلاقات السياسية، وترجمة القدرات الاقتصادية الكامنة على أرض الواقع.

عراقجی یزور ترکمانستان .. ایران تکثّف جهودها لتعزیز سیاسة الجوار
0 دقيقة

 وزير الخارجية وصل، صباح اليوم الإثنين، إلى عشق‌آباد، عاصمة جمهورية تركمانستان، للقاء مسؤوليها، حيث كان في استقباله عدد من مسؤولي هذا البلد. ويرافق وزير الخارجية وفد يضم دبلوماسیین وشخصيات سياسية واقتصادية، وسيجري عراقجي لقاءات مع نظيره في تركمانستان ومسؤولين آخرين.

ویشكل تعزیز التعاون الثنائي في مجالات السياسة والاقتصاد والطاقة والترانزيت، إلى جانب بحث الأوضاع الإقليمية والدولية، أبرز بنود جدول أعمال هذه الزيارة التي تندرج ضمن سياسة الجوار الإيرانية؛ وهي سياسة يمكن أن تمهّد –نظراً للأهمية المتزايدة لآسيا الوسطى في المعادلات الدولية– لمزيد من التعاون بين البلدين. وتكتسب هذه الزيارة أهمية مضاعفة في الوقت الراهن، إذ إن التطورات الجيوسياسية التي أعقبت فرض الحرب على إيران وتداعياتها، جعلت طرق الترانزيت أكثر حيوية وأهمية من أي وقت مضى.

طهران - عشق‌آباد..علاقات تتجاوز الحدود الجغرافية

وتُشكل الحدود المشتركة بين إيران وتركمانستان، والتي تزيد على ألف ومئتي كيلومتر، ركيزة أساسية لتعزيز أواصر الجوار بين البلدين. وإلى جانب هذه الحدود، ترتبط طهران وعشق‌آباد بتاريخ عريق من الروابط الثقافية والفنية والطقوسية والدينية؛ وهي روابط بسطت، من جهة، الأبعاد الحضارية الإيرانية حتى آسيا الوسطى وعشق‌آباد، وخلقت، من جهة أخرى، إمكانات واعدة لتطوير التعاون الثنائي. ويمكن لهذه الطاقات، بدءاً من التجارة وتبادل الطاقة وصولاً إلى النقل السككي والبري، أن ترتقي بالعلاقات من المستوى السياسي والاتفاقيات الدبلوماسية إلى مرحلة عملية واقتصادية متقدمة.

وتُظهر زيارات مسؤولي البلدين والمشاورات المكثفة بين طهران وعشق‌آباد أن العلاقات الثنائية في ظل الحكومة الإيرانية الحالية تشهد مساراً مقبولاً بل ومتقدماً. وعند استعراض تاريخ التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين، يمكن رصد محطات وزيارات عديدة؛ ففي حزيران/يونيو 2025، أجرى وزير الخارجية "عباس عراقجي" زيارة إلى تركمانستان التقى خلالها بالمسؤولين فيها، باحثاً معهم توسيع العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية. وفي أيار/مايو من العام ذاته، استضافت طهران أعمال الدورة الثامنة عشرة للجنة المشتركة للتعاون الاقتصادي بين البلدين، حيث تصدر جدول الأعمال مواضيع عدة كالتجارة، والطاقة، والنقل، والزراعة، والمياه، والاستثمار، إلى جانب صياغة برنامج التعاون الاقتصادي للسنوات "2026-2028" وتعزيز التبادل التجاري. وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، زار رئیس الجمهوریة "مسعود بزشكيان" عشق‌آباد للمشاركة في مراسم الذكرى الثلاثين للاعتراف بالحياد الدائم لتركمانستان.

وقد تواصلت المشاورات السياسية والاقتصادية بين طهران وعشق‌آباد خلال العام الجاري أيضاً؛ بدءاً من الاتصالات الهاتفية بين عراقجي ورشيد ميردوف بشأن العلاقات الثنائية والأمن الإقليمي والتطورات الدولية، وصولاً إلى لقاءات مسؤولي الاقتصاد والنقل في البلدين التي ركّزت على تطوير التجارة والطاقة والترانزيت. وتؤكد مجمل هذه التطورات أن العلاقات بين البلدين خلال هذه الفترة، وإلى جانب استمرار الحوارات السياسية، ركزت على استكشاف الطاقات الاقتصادية وتعزيز التعاون التنفيذي؛ وهي علاقات قابلة للارتقاء والترسيخ والتعميق نظراً لما يمتلكه البلدان من إمكانات واعدة.

تركمانستان.. حلقة الوصل بين إيران وآسيا الوسطى 

وتُعد تركمانستان –التي تبلغ مساحتها نحو 488 ألف كيلومتر مربع، ويقارب عدد سكانها 6 ملايين نسمة، وتمتلك 990 كيلومتراً من الحدود البرية المشتركة و228 كيلومتراً من الحدود المائية، فضلاً عن مواردها الهائلة من الطاقة– إحدى أهم الدول المجاورة لإيران، وتحتل مكانة خاصة في سياسة الجوار التي تنتهجها طهران. فالحدود المشتركة بين البلدين تُمثّل ممراً يربط إيران بأسواق آسيا الوسطى ويوسع نطاق التعاون مع الدول غير الساحلية في هذه المنطقة، وهي في الوقت ذاته طريق تتيح لتركمانستان الوصول إلى المياه الحرة عبر الأراضي الإيرانية. وبإمكان شبكة السكك الحديدية الإيرانية –بدءاً من الحدود المشتركة وصولاً إلى مياه المحيط الهندي وبحر عمان– أن تشكل ممراً استراتيجياً ومؤثراً لتركمانستان.

تطورات غرب آسيا تمثل أحد ملفات مباحثات عراقجي في عشق‌آباد

وستكون التطورات في غرب آسيا –التي فُرضت على إيران في أعقاب العدوان العسكري الأمريكي والكيان الصهيوني– من محاور مباحثات عراقجي مع المسؤولين التركمان؛ وهي تطورات أثرت على غالبية دول النظام الدولي، بما فيها تركمانستان. وفي الوقت الذي أغرقت فيه الولايات المتحدة منطقة غرب آسيا في دوامة أطماعها ومطامحها غير المنتهية، فإنها تخطط على نطاق واسع للاستثمار والتواجد في القسم المركزي من القارة. وتُعد الزيارة الأخيرة لوزير خارجيتها “ماركو روبيو” إلى تاجيكستان ولقاؤه مسؤولي دول آسيا الوسطى، ومنهم مسؤولو تركمانستان، مؤشراً واضحاً على هذه الخطط. تسعى واشنطن إلى توسيع نفوذها وتواجدها في الجمهوريات التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي السابق؛ وهو ما يتطلب، في ظل مجمل تطورات المنطقة والعالم، مزيداً من اليقظة لدى هذه الدول، وإلا فإن حالة عدم الاستقرار المفروضة نتيجة التواجد الأمريكي في غرب آسيا، ستتسع رقعتها لتطال مناطق أخرى من القارة.

وفي مجال الطاقة، يُعدّ تطوير تبادل الكهرباء، وزيادة سعة خطوط النقل، وبحث إمكانية ترانزيت الكهرباء التركمانية إلى دول ثالثة، من أبرز محاور التعاون بين ایران وترکمنستان؛ رغم أن بعض هذه المشاريع لا تزال في مرحلة الدراسات الفنية. كما أن إقامة مناطق تجارية واقتصادية على الحدود المشتركة، من خلال توفير البنى التحتية الملائمة واللوائح الشفافة، يمكن أن يمهد الطريق لخفض تكاليف التجارة، وزيادة التبادل المحلي، وحضور أوسع للمؤسسات الاقتصادية والمستثمرين.

دبلوماسية الجوار وأهميتها في الظروف الراهنة

وشكلت الروابط الثقافية بين طهران وعشق‌آباد أحد منطلقات زيارة الرئيس “بزشكيان” إلى تركمانستان في تشرين الأول/أكتوبر 2024، للمشاركة في احتفالية الذكرى الـ300 لميلاد الشاعر التركماني الكبير “مختومقلي فراغي”. هذه الروابط، إلى جانب القواسم التاريخية وحسن الجوار، وفّرت أرضیة مناسبة لتوطيد العلاقات بين البلدين وتوسيع نطاقها؛ وهي طاقات يمكن أن تتحول إلى نموذج يُحتذى في سياسة الجوار الإيرانية، وتسهم في الظروف الراهنة في تخفیف الضغوط الاقتصادية عن البلاد.

وفي ظل الظروف التي فرضت فيها القيود الاقتصادية والعقوبات ضغوطاً ملحوظة على إيران، يمكن لتوسيع التعاون مع دول الجوار أن يخلق فرصاً جديدة لتطوير التجارة، وزيادة الصادرات والواردات، ونقل الطاقة، وتعزيز التفاعلات الاقتصادية، ومن ثم الاضطلاع بدور فاعل في تحسين الوضع الاقتصادي للبلاد.

وتكمن أهمية زيارة رئيس الجهاز الدبلوماسي إلى عشق‌آباد في السعي لتعزيز هذا المسار؛ أي تحويل العلاقات السياسية وحسن الجوار إلى تعاون اقتصادي مستدام ومصالح ملموسة لشعبي البلدين. وتُعد هذه الزيارة فرصة لتقييم الاتفاقيات السابقة، وإزالة العراقيل القائمة، وتحديد أولويات جديدة للتعاون. وإذا استطاعت طهران وعشق‌آباد توظيف طاقاتهما المشتركة في مجالات الطاقة والتجارة والترانزيت بفاعلية، فإن دبلوماسية الجوار قادرة على أن تتحول إلى إحدى أدوات إيران المهمة لتخفیف تداعيات الضغوط الاقتصادية وتعزيز الروابط الإقليمية.


 

المصدر: نورنيوز
أخبار ذات صلة
إرسال التعليق