لسنواتٍ طويلة، ضحّت أوروبا باستقلالها الأمني، وبالتالي باستقلالها السياسي والاقتصادي، في سبيل علاقاتها مع واشنطن؛ ولكن الآن، وبعد أن تكبّدت تعريفاتٍ جمركية أمريكية باهظة، واستبعادها من حساباتها العالمية، تواجه فضيحةً أخرى. أنفق الأوروبيون مئات المليارات من الدولارات لدعم أوكرانيا ومواجهة روسيا، لكن في الوقت نفسه، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اتفاقية لاستيراد الديزل الروسي ودعا إلى إجراء انتخابات في أوكرانيا؛ وهي تطورات تُلقي بظلال من الشك على مستقبل فولوديمير زيلينسكي السياسي.
يُظهر هذا التناقض الظاهر أن واشنطن، خلافًا لما يتصوره القادة الأوروبيون، تُعطي الأولوية لمصالحها على التزاماتها الأطلسية. لقد وقعت أوروبا مرة أخرى ضحيةً لانعدام الثقة في أمريكا؛ والفرق هذه المرة هو أن تبعية واشنطن لم تُشكك فقط في الاستقلال الاستراتيجي، بل أيضًا في المصداقية السياسية والقوة الاقتصادية للقارة.
إدمان العقوبات والاتهامات؛ هروب من الواقع
رد فعل الاتحاد الأوروبي على هذه التطورات الجديدة هو استمرار السياسات الفاشلة نفسها. فقد أضاف الاتحاد ما يقرب من 1600 بند جديد إلى قائمة العقوبات المفروضة على روسيا. ووصف أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، هذه الخطوة بأنها أكبر توسيع منفرد لقائمة العقوبات منذ بداية الحرب الأوكرانية. أكدت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على ضرورة استمرار الضغط، وأعلنت المستشارة الألمانية معارضة برلين لتخفيف الضغط على موسكو.
لكن السؤال الأساسي هو: إلى أي مدى يمكن لتشديد العقوبات أن يعوض فشل حسابات أوروبا السابقة؟ عندما تسلك الولايات المتحدة مسار تأمين مصالحها عبر اتفاق مع روسيا، فإن إصرار أوروبا على الضغط الاقتصادي يُعدّ دليلاً على عجزها عن مراجعة سياساتها الفاشلة أكثر من كونه دليلاً على قوتها.
في هذا السياق، يمكن أيضاً تقييم الاتهامات الجديدة الموجهة ضد إيران وروسيا. تحاول بريطانيا، التي كانت من أبرز حلفاء واشنطن في سياساتها، تحويل رهاب إيران إلى أداة في سياستها الخارجية، من خلال ادعائها أنها نسقت حادثة قاعدة فارفورد في إيران وأنها كانت بتوجيه من الحرس الثوري الإسلامي، وفرض عقوبات على إيرانيين اثنين، وإصدار بيان مشترك مع 28 دولة. يمكن أيضًا دراسة ادعاء رئيس الوزراء البريطاني بشأن دور روسيا في استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016 في هذا السياق: تحويل انتباه الرأي العام من الأزمات الداخلية وتناقضات السياسة الخارجية إلى التهديدات الخارجية.
استعراض للقوة الأوروبية؛ سردية لا أساس لها في الواقع.
يُعدّ التناقض بين الادعاء والواقع أبرز نقاط ضعف استعراض القوة الأوروبية. فقد أعلن ألكسندر نوفاك، نائب رئيس الوزراء الروسي لشؤون الطاقة، أن قيمة صادرات الطاقة الروسية إلى الاتحاد الأوروبي منذ عام 2022 بلغت 320.7 مليار دولار أمريكي؛ وهو رقم يُبرز الفجوة بين الصورة الدعائية للعقوبات وواقع العلاقات الاقتصادية.
أما على الصعيد العسكري، فإن الدعوة إلى وضع استراتيجية مستقلة لأوروبا وأوكرانيا، إلى جانب طلب زيلينسكي من ترامب الضغط على روسيا في قطاع الطاقة، تُشير إلى تبعية كييف الأمنية وضعف التنسيق الاستراتيجي الغربي. كما تحدث أليكسيس غرينكوفيتش، القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا، عن نقص في القوى البشرية في الجيوش الأوروبية. لا يُمكن اعتبار ادعاء كايا كالاس بأن السعودية طلبت مساعدة أوروبية لعبور باب المندب، دون أدلة كافية، دليلاً على سلطة أوروبية.
من جهة أخرى، باتت بوادر أزمة داخل أوروبا أكثر وضوحاً. فقد حذّر المعهد البريطاني للدراسات المالية من ضغوط التضخم والإنفاق الحكومي على ميزانية الدولة. كما تُشير هزيمة حزب ميرتس في الانتخابات الألمانية، واحتجاجات الطلاب الفرنسيين، والإضرابات في إنجلترا، إلى تزايد السخط الاجتماعي. ويُعدّ عجز الدول الأوروبية عن الردّ بحزم على العقوبات الأمريكية المفروضة على المحكمة الجنائية الدولية مظهراً آخر من مظاهر محدودية استقلالها السياسي.
التكلفة الباهظة لسوء التقدير: أوروبا على طريق الانحدار
على عكس التوقعات الأولية للقادة الأوروبيين، تحولت الحرب في أوكرانيا إلى أزمة استنزاف ذات تكاليف اقتصادية وأمنية باهظة، أزمة قد تُعمّق الانقسامات الداخلية في الاتحاد.
كما أن انحياز أوروبا للولايات المتحدة في غرب آسيا، ومشاركتها في سياسات -بحسب الأمين العام لحلف الناتو مارك روته- تُصاحبها تعاون في العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، يزيد من خطر فرض تكاليف جديدة على القارة.
أي خطأ في التقدير قد يُفاقم الأزمة الاقتصادية والسياسية في أوروبا، لا سيما وأن غياب الاستقلال قد حرم القارة من لعب دور حاسم في المعادلات العالمية. إن فرض عقوبات على إيران وترديد مزاعم غير مثبتة ليس علاجًا لتراجع النفوذ الأوروبي، تمامًا كما أن استمرار التبعية لواشنطن لا يضمن أمن ورفاهية الأوروبيين.
يجب على أوروبا أن تُدرك أن خطاب روبيو الانتقائي حول التاريخ لن يكون إلا سرابًا إذا ما استُخدم كأداة لجرّ القارة إلى مواجهات جديدة. لقد أظهر تاريخ الأمة الإيرانية أيضاً أن أولئك الذين يخططون لتدمير إيران قد واجهوا حقائق لا تتوافق مع الدعاية السياسية، أمام إرادة هذه الأمة وحضارتها. إذا استمرت أوروبا في الإصرار على المسار الخاطئ خوفاً من الانحدار، فقد ينتهي بها المطاف إلى صنع المستقبل الذي تتجنبه بنفسها.