وصرح الرئيس بزشكيان، اليوم الجمعة، خلال كلمته في قمة رابطة الدول المستقلة، بأن مشاركة إيران للمرة الأولى في هذه القمة، بصفتها أول دولة تُدعى كـ “ضيف خاص”، تمثل فرصة ثمينة لتعزيز الروابط القائمة وفتح فصل جديد من التعاون مع دول الرابطة.
وأشار إلى أن تزامن انعقاد هذه القمة مع اجتماع قادة الدول المطلة على بحر قزوين حول قضايا البيئة، يوفر أرضية مناسبة للاهتمام المشترك بالروابط الجغرافية والمصالح المشترکة وتطوير قدرات التعاون بين إيران ودول حوض قزوين وآسيا الوسطى.
وأضاف رئيس الجمهوریة: إن العالم ومنطقتنا واجها في السنوات الأخيرة أزمات متداخلة لم تعد آثارها تقتصر على حدود دولة واحدة، مشيراً إلى أن تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية أثرت على الأمن والتجارة والنقل، وبشكل خاص على أسواق الطاقة. وأكد أن هذه الأزمات أثبتت أن الاضطراب في أي جزء من المنطقة يؤدي سريعاً إلى ضغوط اقتصادية واجتماعية وحتى سياسية في أجزاء أخرى.
وتابع الرئيس بزشکیان: لقد تعرضت إيران خلال العام الماضي لهجومين عسكريين من قبل الولايات المتحدة و"إسرائيل"؛ وهذه الاعتداءات الصارخة وغير القانونية لم تلحق الضرر بالمواطنين والبنى التحتية للبلاد فحسب، بل طالت تبعاتها الكثيرين في المنطقة والعالم. لقد كشفت هذه التطورات، أكثر من أي وقت مضى، حقيقة واحدة مفادها أن الأمن والاستقرار الإقليمي مفهوم لا يتجزأ؛ فلا يمكن المطالبة بالأمن والتنمية لجزء من المنطقة، وفي الوقت نفسه تأجيج انعدام الأمن والضغوط الاقتصادية وعدم الاستقرار في جزء آخر.
وقال رئیس الجمهوریة: لطالما أكدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الحوار والحلول الدبلوماسية لتحقيق السلام والاستقرار المستدامين، إلا أن الحوار لا يكتسب معناه وفرصة نجاحه إلا إذا قام على أساس الاحترام المتبادل والالتزامات المتبادلة، وبعيداً عن منطق الضغوط والتهديدات؛ فالمفاوضات في ظل القوة ليست مفاوضات، بل هي إملاءات. مضیفا أن تجارب السنوات الأخيرة أثبتت أن استخدام التجارة والمصارف والتكنولوجيا والطاقة والنظام المالي الدولي كأدوات للضغط على الدول، ليس مجرد مسألة ثنائية؛ بل يؤثر على الأمن الاقتصادي وتنمية المنطقة والعالم بأسره.
وأکد: إن الضغوط والعقوبات المفروضة على إيران لا تُقيد القدرات الاقتصادية للبلاد فحسب، بل تضر بحركة التجارة ومشاريع الربط والطاقة والنظام الإقليمي.
کما أكد الرئيس بزشكيان أن منطقتنا باتت اليوم بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى الصمود في وجه الحروب والأزمات والضغوط الخارجية والاضطرابات التي تعيق المسارات الاقتصادية والاتصالية؛ مشدداً على أن النجاح في هذا المسار يتطلب ربط قدرات المنطقة ببعضها، فمصالحنا المشتركة لا تكمن في التنافس بين المسارات، بل في ربطها ببعضها.
وأضاف: تعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالنسبة لدول آسيا الوسطى شريكاً استراتيجياً وممراً طبيعياً يربط هذه المنطقة وأوراسيا بالمياه المفتوحة؛ إذ يمكن لموانئنا الجنوبية في الخليج الفارسي وبحر عمان، ولا سيما ميناء جابهار، أن تشكل بوابة ربط لهذه المنطقة بجنوب آسيا وأفريقيا وصولاً إلى أوروبا.
وأشار في هذا السياق إلى إمكانية تنفيذ مقترح تركمانستان في الجمعية العامة للأمم المتحدة لإنشاء ممر نقل بين آسيا الوسطى والجنوبية وأوروبا عبر بحر قزوين، من خلال الاستفادة من القدرات الإيرانية.
وشدد الرئيس بزشکیان على أن ممرات «شمال-جنوب» و«شرق-غرب» هي أجزاء من شبكة إقليمية واحدة وليست متنافسة، مؤكداً أن أي مسار جديد يعزز قدرات المسارات الأخرى ويُسهم في تحقيق تقارب أكبر بالمنطقة.
وقال: ينبغي اعتماد الرؤية ذاتها في مجال الطاقة أيضاً؛ إذ يمكن لمنطقتنا، بدلاً من التنافس لإقصاء الآخرين من سوق الطاقة، أن تتحول إلى شبكة لإنتاج ونقل وتبادل الطاقة؛ وهي شبكة تربط النفط والغاز والكهرباء والطاقات المتجددة بالمصالح الاقتصادية المشتركة والاستقرار الإقليمي.
وصرح قائلا: لتعزيز التجارة، من الضروري إيلاء الاهتمام للآليات الإقليمية العملية، بما فيها الآليات المالية والمقايضة، لتسهيل التبادلات بين دول المنطقة؛ وهي آليات كفيلة بتعزيز استمرارية التعاون الاقتصادي في مواجهة الاضطرابات والقيود الخارجية.
وأكد الرئيس بزشکیان أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعتبر نفسها جزءاً طبيعياً من الجغرافيا المترابطة للمنطقة؛ وهذا الارتباط ليس جغرافياً فحسب، بل يضرب بجذوره في التاريخ والثقافة والحضارة وأواصر الشعوب. وبناءً على ذلك، تقترح إيران إنشاء صيغة “دول رابطة الدول المستقلة + إيران” (CIS+1) كآلية مرنة وفعالة للحوار والتعاون، لتطوير التعاون المشترك في مجالات الترانزيت، والطاقة، والتجارة، والتعدين، والاستثمار، والتكنولوجيا، والمياه، والبيئة، والسياحة، والاتصالات العلمية والثقافية، وتقديم حلول إقليمية مشتركة لتحديات؛ مثل التغير المناخي، ونقص الموارد المائية، وقضايا البيئة في بحر قزوين ومنطقة أرال، والجرائم المنظمة، وتهريب المخدرات، وغيرها.
وأضاف قائلاً: إننا اليوم بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى تعددية حقيقية في المنطقة، ويجب أن تكون دول هذه المنطقة المهمة والاستراتيجية من اللاعبين الأساسيين في تشكيل عالم متعدد الأقطاب. ومن هذا المنظور، فإن الدبلوماسية الإقليمية بالنسبة لنا لا تعني مجرد عقد اجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى أداة لإدارة الأزمات، والحفاظ على قنوات التواصل، ومنع توسع الصراعات، وتفعيل التعاون العملي؛ وهذا هو النهج الذي نتبعه في إطار سياسة الجوار للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وأكد الرئیس بزشكيان أننا اليوم لا نواجه مجرد خيار بين العزلة أو التبعية، بل يجب علينا ربط قدراتنا ببعضها البعض، لكي تتمكن كل دولة، مع الحفاظ على استقلالها وخياراتها الوطنية، من الاستفادة من مزايا هذه الجغرافيا المشتركة.
واستطرد قائلاً: نحن نريد الاتصال بدلاً من القطيعة والانفصال، والتعاون بدلاً من التنافس المنهك، والاعتماد المتبادل بدلاً من التبعية من جانب واحد، والأمن القائم على الثقة والمصالح المشتركة بدلاً من الأمن القائم على التهديد.
وأعرب عن أمله في أن تكون هذه القمة خطوة عملية نحو تشكيل منطقة لا تكون فيها آسيا الوسطى والقوقاز الجنوبي وإيران مجرد مساحات منفصلة، بل جزءاً من شبكة واحدة للتعاون والأمن والتنمية. وأضاف: إن الجغرافيا قد ربطتنا ببعضنا البعض، ولكن الإرادة السياسية هي التي يمكنها تحويل هذا الارتباط إلى رصید مشترك من أجل السلام والأمن والتنمية.