نورنيوز: مرة أخرى، على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، أعلن الأوروبيون عن تخصيص مليارات الدولارات كمساعدات عسكرية لأوكرانيا في مواجهة روسيا؛ ولكن في الوقت نفسه، وفي تطور هام في العلاقات بين موسكو وأوروبا، وبعد 1650 يومًا من القطيعة، عُقد اجتماع بين وزيري خارجية روسيا وألمانيا بناءً على طلب ألمانيا على هامش اجتماع الأمم المتحدة. على الرغم من أن هذا الاجتماع لا يُشير بالضرورة إلى حل سريع للأزمة بين الطرفين، إلا أنه قد يعكس، من جهة، تفاقم الأزمات الداخلية التي يُعاني منها فريدريش ميرتس، ومن جهة أخرى، قد يكون متجذرًا في تحولات جوهرية في النظام الدولي، من الأحادية إلى التعددية. في غضون ذلك، يُظهر سلوك روسيا أن موسكو، بتجربتها المريرة مع اتفاقية مينسك، تنظر إلى مثل هذه الاتصالات بحذر وتشاؤم.
ميرتس في مأزق اقتصادي، انتخابات، ومنافسة معادية لروسيا
صرح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بأنه التقى سيرغي لافروف بناءً على طلب زملائه؛ إلا أن دراسة الوضع الداخلي في ألمانيا وموقف ميرتس السياسي تكشف عن أبعاد أخرى لهذا اللقاء. سعى ميرتس إلى إظهار قوته وتوطيدها من خلال مواقفه المتطرفة الداعمة للكيان الصهيوني ودعمه المتزايد للحرب في أوكرانيا، لكن نتائج الانتخابات المحلية، بما فيها انتخابات برلين، وهزيمة الائتلاف الحاكم المكون من الحزب الاشتراكي الديمقراطي والاتحاد الاجتماعي المسيحي أمام أحزاب اليمين واليسار المتطرفة، تُشير إلى انهيار هذه الصورة.
في الوقت نفسه، تشير المؤشرات الاقتصادية إلى الظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد الألماني، ويطالب قطاع كبير من المجتمع باستقالة حكومة ميرتس. وتزداد أهمية هذا الوضع مع تأكيد أليس فايدل، الرئيسة المشاركة لحزب البديل من أجل ألمانيا، على ضرورة فتح قناة حوار مع روسيا، بما في ذلك بشأن إمدادات الغاز. في ظل هذه الظروف، يمكن اعتبار نهج برلين الاستباقي تجاه موسكو محاولةً لانتزاع زمام المبادرة الانتخابية من منافسيها؛ وهو إجراء يواجه صعوبات جمة، نظرًا لمستوى الاستياء الشعبي.
الطاقة: حيث تدفع أوروبا ثمن اعتمادها
تدفع أوروبا ثمن اعتمادها العسكري والسياسي والاقتصادي على الولايات المتحدة منذ سنوات؛ وهو اعتماد زجّ بالقارة في حروب مدمرة من أفغانستان إلى أوكرانيا، وزاد من هشاشتها في قطاع الطاقة. وقد زاد ترامب، بالإضافة إلى فرضه تعريفات جمركية باهظة، من الضغط على أوروبا المنكوبة بالأزمة بإعلانه تعليق صادرات الديزل إليها.
رفع الاتحاد الأوروبي وارداته من الديزل من الولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة عقب الحرب ضد إيران، وبلغت واردات هذا المنتج نحو 1.5 مليون برميل يوميًا في أغسطس/آب. وفي الوقت نفسه، حذّر دان يورغنسن، مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، الدول الأعضاء في رسالة من أزمة أسعار الطاقة.
وقد ازداد الوضع تعقيدًا بفعل التطورات في غرب آسيا، حيث شددت إيران، رغم الضغوط والتهديدات، قبضتها على إدارة مضيق هرمز، وطرحت مبادرة لإعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام، إلى جانب استعداداتها للخيار العسكري. وفي الوقت نفسه، زاد التقدم السريع للقوات اليمنية في تحرير المناطق التي يحتلها مرتزقة سعوديون وإماراتيون، واستهداف منشآت النفط السعودية، من ضغوط الطاقة؛ وهي ظروف تجعل العودة السريعة إلى الوضع السابق أمرًا صعبًا.
التعددية؛ أوروبا بين واشنطن وموسكو
يُنظر إلى الترحيب الحار الذي وجّهه ترامب للرئيس الصيني شي جين بينغ في قمة الأمم المتحدة الأخيرة كدليل على تسارع التحول في بنية النظام الدولي وابتعاده التدريجي عن نموذج الأحادية الأمريكية. وقد أجبرت هذه التغييرات أوروبا على إعادة النظر في حساباتها.
وبالتأكيد على عدم رغبتها في أن تُسلّم أوروبا علاقاتها مع روسيا بالكامل للأمريكيين، فقد أخذ وادفول في الاعتبار ضرورة الحفاظ على قنوات اتصال مستقلة. وتواجه أوروبا خيارات محدودة عشية فصل الشتاء، في ظل أزمة الطاقة وارتفاع التكاليف الاقتصادية، وقد يدفع هذا الواقع بعض الحكومات الأوروبية إلى تغيير سلوكها تجاه روسيا.
وفي هذا السياق، تُبرز جهود بعض الدول الأوروبية لتبني نهج أكثر استقلالية تجاه موسكو الانقسامات الداخلية داخل الاتحاد. وتسعى فرنسا وألمانيا إلى الحفاظ على الدائرة الدبلوماسية الأوروبية من خلال فتح قنوات اتصال مع روسيا؛ ولعلّ ذلك يُسهم في إبطاء وتيرة التباعد في الاتحاد الأوروبي.
موسكو واختبار جديد لقياس صدق أوروبا
من جهة أخرى، ترى روسيا في طلب ألمانيا عقد اجتماع على مستوى وزراء الخارجية، في ظل مواقف برلين السابقة المتشددة تجاه موسكو، إنجازًا دبلوماسيًا ناتجًا عن التطورات على أرض الواقع؛ تطورٌ قد يُفضي إلى ترسيخ مكتسبات روسيا وإظهار تغيير في سلوك أوروبا.
بالنسبة لموسكو، تُعدّ الدبلوماسية مكمّلةً للواقع، لا بديلًا عنه. وقد دفعت تجربة اتفاقية مينسك، لا سيما بعد تصريحات المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل حول دورها في إتاحة الفرصة لتسليح أوكرانيا، الروس إلى النظر بحذر أكبر في الوعود الأوروبية.
من هذا المنظور، يُمثّل الاجتماع مع لافروف، وغيره من الاتصالات المحتملة مع المسؤولين الأوروبيين، بالنسبة لروسيا، أكثر من مجرد نهاية للأزمة، بل خطوات تمهيدية لاختبار صدق الطرف الآخر. طالما لم تُلبَّ مطالب موسكو، بما في ذلك وقف دعم أوروبا لأوكرانيا والنأي بنفسها عن اللعب على أرض أمريكا، فلن تتغير حسابات روسيا بشكل جذري وستظل أوروبا من بين الدول "غير الصديقة"؛ لذلك، سيظل الطريق لإنهاء الحرب في أوكرانيا يواجه عقبات خطيرة.