وتابع عباس عراقجي، خلال مؤتمر "دعوة إلى تحوّل عالمي: إعادة التنمية إلى صميم الاهتمام، واستعادة كرامة الإنسان، وإعادة إرساء العدالة في عالم مضطرب" الذي عُقد ضمن فعاليات منتدى الحوار العالمي 2026 الذي استضافته جمعية السياسة الخارجية الإندونيسية، أن نمطا خطيرا قد برز في العالم: نمط لم يعد فيه استخدام القوة العسكرية ملاذا أخيرا، بل أصبح آلية دائمة لإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني في المنطقة.
وأوضح عراقجي في كلمته: نجتمع اليوم هنا لمناقشة عنوان لا يعكس فقط التحديات التي نواجهها، بل يعبّر أيضا عن المسؤولية التي تقع على عاتقنا جميعا: دعوة إلى تحول عالمي: إعادة التنمية إلى صميم الاهتمام، واستعادة كرامة الإنسان، وإعادة إرساء العدالة في عالم أكثر اضطرابا. يحتاج العالم الذي نعيش فيه إلى تغيير جذري في مساره أكثر من أي وقت مضى، حيث باتت الحرب والتدخل والعقوبات والإكراه هي القاعدة السارية، لا الاستثناء، في السياسات. والسؤال الجوهري هو: كيف وصلنا إلى هذه الحال؟ كيف أصبح نظامٌ بُنيَ لمنع الحرب، ودعم السلام، وحماية كرامة الإنسان، وضمان العدالة، عاجزا إلى هذا الحد أمام العدوان، وقتل المدنيين، والانتهاكات الصارخة للقانون الدولي؟
وأكمل عراقجي كلامه مُجيباً على ما طرحه من تساؤلات قائلاً: يكمن الجواب في حقيقة مُرّة: عقودٌ من التدخل الأجنبي، والضغط العسكري، والحروب التي لا تنتهي في الشرق الأوسط، أثبتت حقيقةً لا جدال فيها: التدخل العسكري لا يُحقق الأمن، والإكراه لا يُفضي إلى السلام. بل أصبحت الحرب هي القاعدة، باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية للعلاقات الدولية، مما يُديم نمطًا من المواجهة والصراع الدائمين. تُعد مأساة غزة والجرائم المستمرة التي يرتكبها الكيان الصهيوني من أوضح وأفظع مظاهر هذا النموذج الفاشل. ما يحدث في غزة ليس مجرد مأساة إنسانية؛ إنه اختبار لضمير المجتمع الدولي ومسؤوليته الجماعية. لقد امتدت أعمال قتل المدنيين، والتهجير القسري، والعقاب الجماعي، وتدمير البنية التحتية الحيوية، إلى لبنان، حين تُرك الكيان الصهيوني دون محاسبة فعّالة.
وأردف موضّحاً: ما يحتاجه العالم هو نموذج جديد؛ نموذج يُنظر فيه إلى التنمية كجزء لا يتجزأ من الأمن؛ نموذج تُحترم فيه سيادة الدول؛ نموذج يُطبّق فيه القانون الدولي دون تمييز وعلى قدم المساواة مع الجميع.
واستطرد كلامه قائلاً: لقد برز الآن نموذج خطير؛ نموذج لم يعد فيه استخدام القوة العسكرية ملاذًا أخيرًا، بل أصبح آلية دائمة لإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني للمنطقة. في ظل هذه الظروف، يصبح العدوان أمرا طبيعيا، والتصعيد مؤسسيا، ويتحول التدمير من نتيجة للحرب إلى أداة لتحقيق أهداف سياسية. لم تتوقف هذه العملية عند حدود غزة ولبنان. ويمكن فهم العدوان العسكري الذي شنته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران في هذا السياق أيضا؛ حرب غير شرعية، وظالمة، وعدوانية، ودون أي إجراء مسبق. هذه الحرب جزء من نمط أوسع من العدوان غير المُعاقَب عليه، يشمل حملة اغتيالات مُستهدفة لمسؤولين إيرانيين، وتهديدات ضد مسؤولين وشخصيات سياسية، وانتهاكات لسيادة الدولة، وإفلات من العقاب على أعمال العدوان. إذا لم يُواجَه هذا العدوان بردٍّ فعّال من المجتمع الدولي، فسوف يُقوِّض تدريجيا حدود القانون الدولي المحظورة.
وأضاف: لن تُسفر هذه السياسات عن أيّ نتائج سوى مأساة وقوع مجزرة بحقّ 168 طالبا بريئا في ميناب. إن ضحايا هذه الجرائم ليسوا مجرد أرقام ضمن إحصاءات ضحايا الحرب، فخلف كل روح من هذه الأرواح المفقودة عائلة ومستقبل وحياة. هنا يجب أن نسأل أنفسنا: إلى أي مدى؟ متى نقول كفى؟
وأردف عراقجي تصريحاته: إذا تم تجاهل القانون الدولي عندما تقتضي مصالح القوى العظمى ذلك، فلن يكون بوسعنا الحديث عن سيادة القانون. إذا كانت حقوق الإنسان حقا أصيلا لبعض الدول وامتيازا مشروطا لغيرها، فلن يكون بوسعنا وصفها بالعالمية. إذا تقاعست المؤسسات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، عن التصدي للعدوان ومحاسبة منتهكي القانون الدولي، فمن الطبيعي أن تتأثر مصداقيتها وشرعيتها. لكن الحل ليس في التخلّي عن التعدّدية، بل على العكس، يحتاج العالم اليوم إلى تعدّدية حقيقية وفعّالة وعادلة أكثر من أي وقت مضى. ويتطلب هذا التحول العالمي إرادة سياسية وشجاعة لتغيير المسار الحالي: من النزعة العسكرية إلى التنمية المستدامة، ومن التدخلات العسكرية إلى احترام السيادة الوطنية، ومن العقاب الجماعي إلى حماية المدنيين، ومن المساءلة الانتقائية إلى العدالة العالمية، ومن الحروب التي لا تنتهي إلى سلام دائم.
وأوضح: إن هذا التغيير في المسار ليس خيارا مثاليا، بل ضرورة حتمية. علينا أن نُسلّم بأن لكل حرب ثمنا باهظا يتجاوز ساحة المعركة. يدفع دافعو الضرائب ثمن الحروب، لكن الثمن الأثقل يدفعه عامة الناس بأرواحهم ودمائهم ومنازلهم ومستقبلهم وأمنهم. العالم ليس بحاجة إلى جيل آخر من الحروب التي لا تنتهي، ولا إلى مزيد من الانتشار العسكري، ولا إلى مزيد من التدخلات وإراقة الدماء. ما يحتاجه العالم هو نموذج جديد، نموذج يُنظر فيه إلى التنمية كجزء لا يتجزأ من الأمن، وتُحترم فيه سيادة الدول، ويُطبق فيه القانون الدولي على الجميع دون تمييز وبمساواة، ولا تُعطى فيه أي مصلحة سياسية أو استراتيجية أو جيوسياسية الأولوية على حياة البشر.
وتابع عراقجي كلامه بالقول: في الشرق الأوسط، لا يمكن فرض الأمن المستدام من خارج المنطقة. يجب أن يكون أمن المنطقة ملكا لها. يجب أن تكون دول المنطقة قادرة على مناقشة أمنها واستقرارها وتنميتها ومستقبلها المشترك، وأن تجد حلولها الخاصة دون تدخل قوى خارجية. بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، هذا ليس مجرد وجهة نظر. هذا النهج هو ثمرة تجربة تاريخية ودرسٍ دفع الشعب الإيراني ثمنه باهظاً. نؤمن بأن الأمن المستدام يُمكن تحقيقه عبر الحوار، وبناء الثقة، والتعاون، والاحترام المتبادل بين دول المنطقة، لا عبر الوجود العسكري للقوى الأجنبية وفرض إرادتها.
واختتم عراقجي كلامه قائلاً: يواجه المجتمع الدولي اليوم خياراً تاريخياً وحضارياً. بإمكاننا الاستمرار على هذا الدرب؛ درب العسكرة، والتدخل، والمواجهة، والحروب التي لا تنتهي. أو بإمكاننا التحلي بالإرادة والشجاعة لتغيير المسار. بإمكاننا إعادة التنمية إلى صدارة اهتماماتنا. بإمكاننا إعطاء الأولوية لكرامة الإنسان على حسابات القوة. بإمكاننا تحرير العدالة من الاحتكار والانتقاء. وبإمكاننا إعادة إحياء المعنى الحقيقي والمصداقية للقانون الدولي. هذا هو التحوّل الجذري الذي يحتاجه العالم اليوم. ووقته ليس غداً أو في مستقبل غامض؛ بل الآن.
نورنيوز