نورنيوز: أغرقت أوهام ترامب الطموحة بالسيطرة على المناطق الجيوسياسية العالمية وموارد الطاقة غرب آسيا في دوامة من الأزمات المتتالية؛ ولكن من جهة أخرى، تشير الحقائق الميدانية إلى تراجع الهيمنة الأمنية الأمريكية وبروز قدرات محلية لإعادة تعريف المعادلات الإقليمية. في هذا السياق، تحمل تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف المثيرة للتفكير حول إمكانية انضمام إيران إلى "اتفاق مكة" بين باكستان وتركيا والسعودية دلالات تتجاوز مجرد اقتراح دبلوماسي.
صرح لافروف بأن موسكو تعتبر انضمام إيران إلى الآلية "خطوة في الاتجاه الصحيح"، مضيفًا أن مشاركة الجزائر المحتملة قد يكون لها أيضًا أثر إيجابي. ويرى أن التوصل إلى اتفاق بشأن شروط مشاركة إيران قد يكون الخطوة الأكثر عملية في الاتجاه الذي سبق أن أخذته روسيا في الاعتبار عند تصميم الترتيبات الإقليمية. وتتضح أهمية هذا الموقف أكثر عند النظر إليه في ضوء تقارب روسيا المتزايد مع إيران والدول العربية، فضلًا عن عضوية بعض هذه الدول في مجموعة البريكس.
حرب رمضان: اللحظة التي انهار فيها غطاء الأمن الأمريكي
إن تصريحات لافروف حول تغير مواقف دول المنطقة تجاه غطاء الأمن الأمريكي ليست مجرد تصور نظري، بل هي انعكاس لواقع حرب رمضان على أرض الواقع. فقد أظهرت الولايات المتحدة، التي جعلت من مبيعات الأمن ركيزة نفوذها في غرب آسيا لسنوات، على أرض المعركة أنها عاجزة حتى عن ضمان أمن قواعدها وقواتها؛ وكانت حادثة أبراهام لينكولن مجرد مظهر من مظاهر هذا الواقع.
حرب رمضان: اللحظة التي انهار فيها غطاء الأمن الأمريكي
إن تصريحات لافروف حول تغير مواقف دول المنطقة تجاه غطاء الأمن الأمريكي ليست مجرد تصور نظري، بل هي انعكاس لواقع حرب رمضان. كشفت حرب رمضان مجدداً أن أولوية واشنطن القصوى هي ضمان أمن الكيان الصهيوني، وأن القوى الإقليمية الأخرى تحتل مكانة ثانوية في حسابات أمريكا الاستراتيجية. من هذا المنطلق، حملت تجربة ساحة المعركة رسالة واضحة للمنطقة: لا يمكن تحقيق الأمن المستدام بالاعتماد على قوى خارجية، بل بالثبات والتعاون الإقليمي وإنهاء التدخلات الخارجية. وكانت مبادرة إيران في مضيق هرمز، ضمن هذا الإطار، من أبرز مظاهر قدرتها المحلية على تغيير معادلات الأمن الإقليمي.
وتتجلى بوادر هذا التغيير في الموقف في الاتفاق الأمني بين باكستان وتركيا والسعودية، فضلاً عن موقف قطر من عدم كفاية الاعتماد على الأمن الأمريكي؛ وهي تطورات تشير إلى تشكّل تدريجي لمفهوم أمني جديد في غرب آسيا.
إيران؛ من مبادرة هرمز للسلام إلى البنية الأمنية المحلية
لا ينبغي تفسير اقتراح لافروف بشأن مشاركة إيران في اتفاق مكة على أنه طلب لتغيير طبيعة سياسات إيران أو وضع طهران ضمن إطار الأهداف الهيكلية لهذا الاتفاق؛ بل يمكن اعتباره استمرارًا للفكرة التي تؤكد عليها إيران منذ سنوات: أن الأمن الإقليمي يجب أن تبنيه دول المنطقة نفسها.
وتُعد مبادرة "سلام هرمز" واستضافة مؤتمر الوحدة الإسلامية لأكثر من أربعة عقود مثالين على هذا النهج؛ وهو نهج لا يعتبر الأمن نتاجًا لوجود قوى أجنبية، بل نتيجة للحوار والتقارب ومسؤولية الفاعلين المحليين. ويتجلى هذا المنظور في السياسة الإقليمية الإيرانية؛ إذ تؤكد مواقف الرئيس بيزيزكيان في قمة شنغهاي وتصريحات قاليباف، الممثل الخاص لإيران لدى الصين، بشأن ترحيب طهران بفكرة الصين لإنشاء بنية أمنية جديدة في المنطقة، على ضرورة أن تحدد دول المنطقة مستقبلها بنفسها.
غرب آسيا: محور النظام العالمي المستقبلي
لا يمكن تقييم خطاب لافروف في سياق الأمن الإقليمي فحسب؛ فهذه التصريحات جزء من الخلاف الأوسع حول تشكيل نظام عالمي جديد. وتُظهر مواقف الصين وروسيا في قمة شنغهاي بشأن تعزيز النظام متعدد الأطراف، وتأكيد شي جين بينغ في حواره مع عبد الفتاح السيسي على ضرورة تحرير المنطقة من الهيمنة الأمنية الأمريكية، أن فكرة تسليم مصير غرب آسيا لشعوبها وحكوماتها باتت تُشكّل تدريجيًا خطابًا هامًا في النظام العالمي الناشئ. لطالما لعبت غرب آسيا، بفضل مواردها الطاقية الهائلة وموقعها الجيوسياسي الاستثنائي، دورًا حاسمًا في المعادلات الحضارية والعالمية. كما شهدت هذه المنطقة العديد من الصراعات الكبرى. لذا، لن يتشكل نظام عالمي جديد دون تحديد موقع غرب آسيا؛ لا سيما وأن المواجهة بين الأحادية الغربية والنظام متعدد الأطراف قد برزت اليوم بشكل كبير في هذه المنطقة الجغرافية.
الاستقلال: شرط أساسي لتجاوز الأمن المفروض
يتطلب تحقيق بنية أمنية محلية، في المقام الأول، استقلال دول المنطقة فعلياً عن الضغوط والفرضيات الأمريكية. ويمكن أن يمهد الطريق لهذا التحول من خلال تجميع القواعد العسكرية الأجنبية، ومواجهة عدوان الكيان الصهيوني بشكل موحد، ودعم دور إيران المحوري في تأمين الخليج الفارسي، وطرد القوات الخارجية، وتوسيع العلاقات بين فاعلي النظام الجديد في شكل مجموعات مثل البريكس وشنغهاي.
وفي الوقت نفسه، تتمثل الخطوة الأولى في إنهاء الدعم العلني والخفي للعدوان الأمريكي على إيران؛ وهو إجراء يمكن أن يكون نقطة انطلاق لبناء الثقة بين دول المنطقة، وتمهيد الطريق لتشكيل وحدة استراتيجية لتوطين الأمن. تمر منطقة غرب آسيا بمرحلة كان أمنها فيها مُحدداً من قِبل الآخرين؛ وسيتحدد مستقبل هذه المنطقة عندما يقرر أصحابها الحقيقيون بأنفسهم ما يخص أمنهم واستقرارهم ومصيرهم.
نورنيوز