نورنيوز : في الحروب الطويلة، لا تقتصر المسألة على القدرة على توجيه الضربات، بل الأهم هو القدرة على الاستمرار بعد تلقي الضربة. قد يمتلك أحد الطرفين سلاحًا متفوقًا في ساحة المعركة، لكن إذا اضطر، للحفاظ على قوته، إلى إطالة طرق إمداده، وإنشاء المزيد من القواعد للحماية، وإبقاء سفنه في البحر لفترات أطول دون توقف، وزيادة تكاليف الطاقة والإمداد، فإن معادلة الحرب تتغير تدريجيًا.
هذا ما يُمكن تسميته "حرب الصمود". حرب لا يُقاس فيها النصر بحجم الخسائر فحسب، بل بقدرة الأطراف على تحمل التكاليف والحفاظ على جاهزيتها العملياتية. في مثل هذه الحرب، يُعتبر أي عمل يزيد من تكلفة استمرارها، حتى لو لم يُدمر هدفًا عسكريًا بشكل مباشر، جزءًا من المعركة.
وتتجلى بوادر ذلك الآن في التقارير الإعلامية الأمريكية حول وضع الجيش الأمريكي في المنطقة. ففي تقريرٍ عن المشاكل اللوجستية التي تواجهها البحرية الأمريكية، رسمت صحيفة نيويورك تايمز صورةً غير مسبوقة لصعوبة إمداد قوة تضم نحو 20 سفينة و20 ألف بحار وجندي من مشاة البحرية متمركزين في المنطقة. ويتطلب إمداد هذه القوة أكثر من 420 ألف وجبة ونحو 8 ملايين جالون من الوقود أسبوعيًا. وبعد الأضرار التي لحقت بقاعدة الدعم الأمريكية الرئيسية في البحرين، أصبحت دييغو غارسيا، التي تبعد نحو 2200 ميل عن منطقة العمليات، مركز إمداد رئيسيًا، مع اعتبار سنغافورة خيارًا ثانيًا، التي تبعد نحو 3700 ميل عن منطقة القتال. والنتيجة هي اعتماد أكبر على التزود بالوقود والإمدادات في البحر، وهو إجراء يتكرر كل خمسة إلى ستة أيام تقريبًا. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات لوجستية، بل هي ترجمة عملية لمفهوم المرونة.
قبل أسابيع، صرّح مسؤول عسكري إيراني لوكالة نورنيوز بأن إيران تراقب عن كثب وتوثّق الشبكة التجارية والبحرية التي تدعم العمليات العسكرية الأمريكية. وأكد أن السفن التجارية وشركات الشحن والمشغلين والموانئ ومقدمي الخدمات اللوجستية، عندما تكون في خدمة دعم العمليات العسكرية الأمريكية، لا يمكن اعتبارها مجرد نشاط تجاري، بل ستُعتبر أهدافًا عسكرية. تكتسب هذه التصريحات الآن دلالةً أكثر أهمية، بالإضافة إلى التقارير الأمريكية حول صعوبة إمداد الأسطول: فالضغط الإيراني المُوجّه على سلسلة الإمداد جزء من ساحة المعركة الإيرانية، وليس مجرد هامش.
ويتضح ذلك جليًا في مصير حاملة الطائرات أبراهام لينكولن. فبعد حوالي 286 يومًا من الانتشار المتواصل في البحر، وصلت السفينة أخيرًا إلى تايلاند، وهي أطول فترة انتشار لها في هذه المهمة. تشير التقارير عن الضغط الواقع على الطواقم، وتآكل المعدات، وحاجة السفينة للتوقف والتعافي من مهمة طويلة كهذه، إلى أن حتى المنصات العسكرية الكبيرة ليست بمنأى عن مشاكل الوقت والإمداد. في الواقع، تُعد محنة لينكولن مثالاً على التكاليف التي تفرضها المسافة الحتمية لسلسلة الدعم عن مسرح العمليات، وهي قوة تحتاج إلى وقت ووقود وقطع غيار ودعم أكثر من أي وقت مضى للبقاء في الميدان.
الأهم من ذلك ما حدث في معسكر تيتين بالأردن. فبعد الهجوم الأمريكي الأخير على منطقة سيريك، أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه نفذ هجومًا صاروخيًا باليستيًا على هذه القاعدة الأمريكية في الأردن. لا تكمن أهمية هذا الهجوم في مجرد إصابة هدف، بل في رسالته الاستراتيجية: فالقاعدة الواقعة على مسافة كبيرة من منطقة الخليج الفارسي الرئيسية، والتي يمكن اعتبارها جزءًا من "العمق الآمن" الأمريكي، ليست خارج دائرة الاستطلاع والعمليات الهجومية الإيرانية. وهنا يبرز مفهوم هام: العمق الجغرافي لا يعني بالضرورة العمق الاستراتيجي.
بإمكان الولايات المتحدة نقل قواتها من الخليج الفارسي إلى الأردن، وتوزيع قواعدها، ونقل مراكز الدعم إلى مناطق أبعد؛ ولكن نظرًا للمدى الفعال والدقيق للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، فإن هذه المناطق الخلفية أيضًا معرضة لتهديد مستمر، وبالتالي فإن "الانسحاب" لا يعني بالضرورة الانسحاب من منطقة التهديد.
في مثل هذه الحالة، كلما طال انسحاب الولايات المتحدة لخلق مسافة أكبر، كلما ازدادت سلسلة إمدادها اللوجستية طولًا وتكلفة، وانخفضت قدراتها العملياتية.
في مثل هذه الحالة، كلما طال انسحاب الولايات المتحدة لخلق مسافة أكبر، كلما ازدادت صعوبة وتكلفة سلسلة إمدادها، وانخفضت قدراتها العملياتية. على النقيض من ذلك، تخوض إيران حربًا ضمن حدودها الجغرافية. فهي متصلة ببحر قزوين شمالًا، وبالخليج الفارسي وبحر عُمان جنوبًا، وبحدود برية شرقًا وغربًا. لذا، حتى لو تمكنت الولايات المتحدة من الضغط على شريان حيوي محدد، كصادرات النفط عبر مضيق هرمز، فمن غير المجدي الحديث عن حصار جغرافي كامل لإيران. ما نجحت الولايات المتحدة في استهدافه هو أحد معوقات إيران الاقتصادية، وليس جميع طرق اتصالها الحالية.
لكن الولايات المتحدة تعتمد على شبكة أوسع بكثير للحفاظ على استمرار الحرب في المنطقة: قواعد عسكرية، وموانئ، وسفن إمداد، ووقود، وذخيرة، وقطع غيار، وطائرات، وقوى عاملة، وخطوط نقل. إذا أصبح أي من هذه الروابط غير آمن أو مكلفًا، سينتقل التأثير إلى الرابط التالي. وقد امتد هذا التأثير الآن بوضوح من المجال العسكري إلى السوق.
يتجه سعر النفط نحو 100 دولار مع تصاعد التوترات؛ حيث بلغ سعر خام برنت 95.52 دولارًا يوم الجمعة، وخام غرب تكساس الوسيط 91.36 دولارًا. ارتفع سعر خام برنت بنسبة 7.6%، وخام غرب تكساس الوسيط بأكثر من 10% خلال أسبوع. ولا يقتصر هذا الارتفاع على زيادة أسعار النفط فحسب، بل الأهم من ذلك، أن صدمة الطاقة تُنقل إلى المنتجات المرتبطة مباشرة بالحياة اليومية وتكاليف الإنتاج في الولايات المتحدة.
يبلغ سعر الديزل الأمريكي الآن مستوى قياسياً قدره 5.82 دولاراً للجالون، أي بزيادة قدرها 55% عن سعره عند بدء الحرب. كما انخفضت مخزونات الديزل الأمريكية في أغسطس/آب إلى أدنى مستوى لها في شهر واحد منذ عام 1982، وانخفضت مخزونات الساحل الشرقي بنحو 19.3 مليون برميل. في الوقت نفسه، وصل الفارق بين أسعار الديزل والنفط الخام، أو ما يُعرف بفارق التكرير، إلى مستوى قياسي بلغ حوالي 108 دولارات للبرميل. وقد حذرت وكالة رويترز من أن ارتفاع التكاليف قد ينتقل من قطاعي النقل والزراعة إلى قطاع التصنيع، وفي نهاية المطاف إلى أسعار المواد الغذائية.
هذا يعني أن الحرب لم تعد مجرد تكلفة يتحملها البنتاغون، بل إن جزءاً كبيراً من تكلفة الحرب يُنقل إلى المستهلك الأمريكي.
ويُلاحظ هذا الضغط أيضاً في أسواق التأمين والشحن. بلغت تكلفة تأمين الحرب لعبور مضيق هرمز أرقامًا مضاعفة لدى بعض مالكي السفن، وتجاوزت تكلفة تغطية مخاطر الحرب لرحلة واحدة لناقلة نفط عملاقة 10 ملايين دولار. كما تُقدّر شركات التأمين أن الخسائر المرتبطة بنزاع الخليج الفارسي قد تصل إلى ما بين 1.5 و2 مليار دولار.
هذا يعني أن حتى السفن غير المستهدفة قد تُضطر للإبحار بتكلفة أعلى أو حتى التوقف تمامًا بسبب ازدياد المخاطر.
في مثل هذه الظروف، يتجاوز مفهوم المرونة الحدود العسكرية ليصل إلى السوق المالية. وقد أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة المخاوف بشأن التضخم، وانعكس هذا القلق مباشرةً على سوق سندات الخزانة الأمريكية. يبلغ عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات حوالي 4.8%، ويرى السوق أن بلوغ 5% تقريبًا يُمثل ضغطًا كبيرًا على الأسهم والاقتراض الحكومي والشركات والأسر. وتشير رويترز إلى أن ارتفاع العوائد يزيد من تكلفة الاقتراض، وقد يُؤثر سلبًا على الاستثمار والاستهلاك والنمو الاقتصادي. وهنا تُصبح المرونة الاقتصادية الأمريكية جزءًا لا يتجزأ من مرونتها العسكرية.
لا تقل الأهمية السياسية لهذه السلسلة عن آثارها الاقتصادية. فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر، يؤثر سعر البنزين والديزل بشكل مباشر على الناخب الأمريكي. وقد حذرت وكالة رويترز من أن ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية يشكلان خطرًا سياسيًا على ترامب والجمهوريين قبيل انتخابات التجديد النصفي. وفي الوقت نفسه، قدرت صحيفة فايننشال تايمز أن المستهلكين الأمريكيين قد دفعوا منذ بدء الحرب عشرات المليارات من الدولارات كتكاليف إضافية للبنزين والديزل، وهو ما يعادل في المتوسط مئات الدولارات لكل أسرة.
لذا، لا ينبغي قياس الضغط الإيراني بمجرد عدد الصواريخ التي تصيب القواعد الأمريكية. فإذا تسبب هجوم ما في نقل قاعدة، وإطالة مسار الإمداد، وإبحار سفن الإمداد لمسافات أبعد في البحر، وارتفاع تكلفة التأمين والوقود، وزيادة التضخم وعوائد السندات، وتزايد التكلفة السياسية للحرب على الحكومة الأمريكية، فإن التأثير سيتجاوز بكثير الهدف العسكري الأولي.
لهذا السبب، فإن المقارنة الحقيقية في حرب الصمود لا تكمن في تحديد من "يحاصر" ومن هو "المحاصر". تمكنت الولايات المتحدة من الحد من صادرات النفط الإيرانية، وهذا الضغط قائم، لكن السؤال هو: ما الذي زادته إيران صعوبة على الولايات المتحدة في المقابل؟
إذا كانت الإجابة سلسلة تبدأ من البحرين، وتصل إلى دييغو غارسيا، وتُنشئ آلاف الأميال من طرق الإمداد، وتُبقي حاملة طائرات في البحر لمدة 286 يومًا، بل وتُهدد قواعد أبعد مثل قاعدة تيتين، ثم تُؤثر على سوق الطاقة والتأمين والتضخم وسندات الخزانة والسياسة الداخلية للولايات المتحدة، فلا بد من الجمع بين تأثير هذين النوعين من الضغط. هنا يتغير مفهوم "الحصار" في حرب الصمود.
لم يعد الحصار يُقاس بمجرد خطوط على الخريطة، بل يجب قياسه بمدى تقييد القدرة على مواصلة الحرب.
تسعى الولايات المتحدة إلى تقليص قدرة طهران على مواصلة الحرب من خلال الضغط على اقتصاد إيران. في المقابل، تسعى إيران إلى زيادة تكلفة الحفاظ على الوجود الأمريكي من خلال الضغط على سلسلة الإمداد وتحمل تكاليف عسكرية وطاقية ومالية وسياسية. ليست الاستراتيجيتان متكافئتين بالضرورة.
قد تظل الولايات المتحدة متفوقة من حيث القوة النارية، ولكن إذا اضطرت إلى إنفاق المزيد على الوقود والإمدادات اللوجستية وحماية القواعد وتحركات القوات وصيانة الأسطول والتأمين لاستخدام هذه القوة، في ظل مواجهتها ضغوطًا تضخمية ومالية داخلية، فإن مسألة الحرب تتحول من "من الأقوى؟" إلى "من يستطيع الصمود في هذا الوضع لفترة أطول؟".
في هذه الحالة، لا تُقاس مرونة أمريكا بعدد سفنها وطائراتها فحسب، بل تُقاس أيضًا بقوة اقتصادها، وسوق الأسهم، وأسعار الوقود، ومدى تقبّل الأسر، وحتى الناخبين الأمريكيين. وهنا تحديدًا، يبرز السؤال الرئيسي في حرب المرونة:
إذا تمكنت الولايات المتحدة من استهداف الشريان الاقتصادي الإيراني، بينما تمكنت إيران من الضغط على شريان الجاهزية العملياتية الأمريكية ونقل آثار هذا الضغط إلى قطاعات الطاقة والاقتصاد والسياسة الداخلية الأمريكية، فأي العملين حدّ في نهاية المطاف من قدرة الطرف الآخر على مواصلة الحرب بشكل أكبر؟
نورنيوز