معرف الأخبار : 343648
تاريخ الإفراج : 9/5/2026 3:26:49 PM
الضغط على إيران: مقامرة أوروبية مكلفة في مضيق هرمز

الضغط على إيران: مقامرة أوروبية مكلفة في مضيق هرمز

يتجلى دعم أوروبا للضغط الاقتصادي الأمريكي على إيران في وقتٍ تُهدد فيه أزمة الطاقة والتكاليف الاقتصادية والانقسامات السياسية أوروبا نفسها؛ وهو مسارٌ قد يُفشل حلم الضغط على طهران في مضيق هرمز، ويُحمّل أوروبا تكلفة هذا الخيار.

نورنيوز: في هذه الأيام، يُكرر ترامب من جهةٍ قصة عدم الحاجة إلى مفاوضات مع إيران، ومن جهةٍ أخرى، يُحاول، من خلال تسليط الضوء على المزاعم النووية، صرف انتباه الرأي العام عن التداعيات الإجرامية للهجوم على حفل الزفاف في سيريك. وفي سياقٍ مُستمر، أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسانت انضمام الاتحاد الأوروبي رسميًا إلى ما يُسمى بعملية "المقاطعة الاقتصادية" ضد إيران، كما تحدثت المفوضية الأوروبية عن ممارسة ضغط اقتصادي أكبر لإجبار طهران على تغيير سلوكها. في الوقت نفسه، أكدت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على التعاون مع واشنطن لزيادة الضغط على إيران، مُدعيةً ضرورة "حرية الملاحة" في مضيق هرمز. كما أعلنت لندن أن وزير ماليتها يتشاور مع وزير الخزانة الأمريكي لتكثيف الضغط الاقتصادي على طهران.

أوروبا: تحالف يفرض عقوبات على نفسه 

من خلال تسليط الضوء على دعم أوروبا، تحاول واشنطن تقديم صورة لتوافق عالمي ضد إيران؛ لكن الواقع على الأرض يُظهر صورة مختلفة. إن اعتماد أمريكا على أوروبا، التي لا تُظهر عمليًا إرادة مستقلة ضد واشنطن، هو دليل على قدرتها على بناء توافق في الآراء أكثر من كونه دليلًا على قدرتها على القيام بذلك؛ فحتى في قمة مجموعة العشرين، لم تُحقق الجهود المبذولة لفرض نهج العقوبات الأمريكية التوافق الذي كانت واشنطن تسعى إليه، كما أكدت قمة شنغهاي أيضًا على دعم إيران ومعارضة الأحادية.

تُكرر أوروبا مرة أخرى مفارقتها القديمة: ادعاء الاستقلال الاستراتيجي بينما تتبع عمليًا قرارات واشنطن. لم تجلب هذه "البيع للاستقلال" لأوروبا حتى الآن سوى التكاليف. فقد كلّف اعتمادها على الولايات المتحدة أوروبا مئات المليارات من الدولارات في حرب أوكرانيا؛ بينما استغلت واشنطن في الوقت نفسه اعتماد أوروبا على السوق الأمريكية والطاقة عبر فرض تعريفات جمركية وضغوط اقتصادية، بل إن ترامب نفسه طالب الأوروبيين صراحةً بدفع تكاليف دعم أوكرانيا.

من جهة أخرى، لا يستجيب الكيان الصهيوني حتى للمطالب الأوروبية بوقف بناء المستوطنات في الضفة الغربية. تدفع أوروبا ثمن الخدمات الجيدة، لكنها لا تحصل على أي تنازلات من الولايات المتحدة أو تل أبيب.

أوروبا على حافة أزمة؛ ثمن خيار محفوف بالمخاطر

يأتي هذا التوافق في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأوروبي من أزمات متفاقمة. وقد حذرت المؤسسات الاقتصادية من استمرار أزمة الطاقة، ودفعت موجة جديدة من بيع السندات تكلفة الاقتراض للحكومة البريطانية إلى أعلى مستوى لها منذ 18 عامًا. في الوقت نفسه، ووفقًا لبيانات نظام تخزين الغاز الأوروبي التي نقلتها صحيفة فايننشال تايمز، لم تتجاوز نسبة امتلاء احتياطيات الغاز في الاتحاد الأوروبي 65.6% حتى 3 سبتمبر، وهو أدنى مستوى مسجل لهذا الوقت من العام خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.

في ظل هذه الظروف، يمكن اعتبار دخول أوروبا في الحرب الاقتصادية الأمريكية ضد إيران بمثابة عقوبات ذاتية استراتيجية، لا استعراضًا للقوة؛ وهي خطوة من شأنها أن تُفاقم الضغوط على الطاقة والتضخم والأوضاع الاجتماعية، بل وتمهد الطريق لعدم الاستقرار السياسي وصعود الحركات المتطرفة.

وهم كسر إيران؛ واقع ينهار في هرمز

جزء آخر من هذه السياسة مبني على حسابات ذهنية: أن الضغط الاقتصادي قد يكسر صمود المجتمع الإيراني، ويمهد الطريق للفوضى وانعدام الأمن وتفكك البلاد. وتُعدّ تصريحات ترامب، وخطاب باسنيت، ومحاولة وسائل الإعلام الغربية تشويه صورة الاقتصاد الإيراني، مؤشرات على هذه الحسابات. حساباتٌ يبدو أن بعض العواصم الأوروبية قد تبنتها أيضاً، إذ تعتقد أنها قادرة على إضعاف إيران عبر الضغط الاقتصادي، وبالتالي انتزاع مضيق هرمز من طهران.

لكن هذا التصور بعيد كل البعد عن الواقع. فمن جهة، تدّعي أوروبا الدفاع عن حرية الملاحة، ومن جهة أخرى، تتحدث كالاس عن تصعيد المواجهات مع السفن الروسية وتقييد تجارتها البحرية. ومن جهة، تطالب بحرية تجارة الطاقة، ومن جهة أخرى، تسعى لفرض حظر على الطاقة الروسية.

والسؤال واضح: إذا كان على إيران التخلي عن حقوقها في الدفاع المشروع عن مضيق هرمز وإدارته تحت ذريعة حرية الملاحة، فلماذا تستطيع أوروبا تقييد التجارة البحرية الروسية تحت ذريعة الأمن؟ هذه الازدواجية، أكثر من أي شيء آخر، تكشف زيف ادعاءات أوروبا بالقانون الدولي.

هرمز: حيث يتحول حلم العقوبات إلى كابوس لأوروبا

واجه استعراض قوة العقوبات الأمريكية والأوروبية عقباتٍ جسيمة قبل أن يتحقق. فمعارضة العديد من الدول لنهج واشنطن الأحادي في مجموعة العشرين، ومواقف الصين وروسيا والهند في شنغهاي، وتأكيدها على عدم دعم العقوبات الأحادية، تُظهر أن النظام العالمي الناشئ لم يعد متقبلاً للوصفات التي يفرضها الغرب.

في الوقت نفسه، أُثيرت تساؤلات حول ادعاء ترامب بمرور 18 مليون برميل من النفط عبر مضيق هرمز يومياً، في ضوء التقارير وصور الأقمار الصناعية. من جهة أخرى، أدى الضغط اللوجستي على البحرية الأمريكية في المنطقة، وصعوبة إيصال الوقود والإمدادات، إلى زيادة تكلفة الوجود العسكري الأمريكي.

إذا ما ارتفع سعر النفط نحو 100 دولار، وتفاقمت الأزمة في الأسواق المالية وسندات الخزانة الأمريكية، فلن تقتصر عواقب هذه المواجهة على إيران وحدها، بل ستنتقل آثارها مباشرةً إلى الاقتصادين الأمريكي والأوروبي، ومن ثم إلى موائد مواطنيهما.

بالنسبة لإيران، لا يُمثل مضيق هرمز مجرد ممر مائي، بل هو جزء لا يتجزأ من معادلة القوة والأمن الإقليميين. إذا دخلت أوروبا هذا المضمار متوهمةً بالفوز في الحرب الاقتصادية ضد الولايات المتحدة، فعليها أن تُدرك أنها قد تُخاطر بمصالحها الاقتصادية وأمنها في هذا المضيق تحديدًا قبل أن تُجبر إيران على التراجع. قد ينهار سراب النصر في الحرب الاقتصادية ضد إيران في نهاية المطاف، ليس في طهران، بل في مياه هرمز، حيث ستعود عواقب خيارات أوروبا لتُطاردها عاجلاً أم آجلاً.


نورنيوز
الكلمات الدالة
طهرانمضیق هرمزالضغط
تعليقات

الاسم

البريد الالكتروني

تعليقك