معرف الأخبار : 342656
تاريخ الإفراج : 9/1/2026 9:44:33 AM
زيارة واحدة، رسائل عديدة؛ ما الذي يجري خارج إطار شنغهاي؟

زيارة واحدة، رسائل عديدة؛ ما الذي يجري خارج إطار شنغهاي؟

إن حضور إيران في الذكرى الخامسة والعشرين لمنظمة شنغهاي للتعاون، في الوقت الذي تُصعّد فيه الولايات المتحدة ضغوطها، يتجاوز كونه مجرد زيارة دبلوماسية؛ فهو دليل على فشل فكرة تطويق إيران، واختبار لدور شنغهاي في النظام متعدد الأطراف والاقتصاد العالمي الجديد.

نورنيوز: غادر الدكتور مسعود بزشكيان، رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى قيرغيزستان؛ وهي زيارة، بالإضافة إلى توسيع العلاقات الثنائية وبناء القدرات الإقليمية، تُعدّ مهمة أيضاً من منظور استراتيجي؛ إذ سيشارك في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، ويلقي كلمة فيها، ويلتقي بكبار المسؤولين من الدول المشاركة.

حالياً، تُعدّ روسيا والصين وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان والهند وإيران وباكستان الأعضاء الرئيسيين في منظمة شنغهاي للتعاون، بينما تُعدّ منغوليا وأفغانستان وبيلاروسيا أعضاء مراقبين. وستُعقد قمة هذا العام في موعد مختلف. المنظمة، التي تعمل منذ 25 عامًا، على وشك الدخول في مرحلة جديدة من مسيرتها؛ مرحلة قد تترافق مع مبادرات جديدة وإعادة تعريف لدورها في المعادلات العالمية. وشعار "25 عامًا على تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون: معًا من أجل السلام والتنمية والازدهار المستدام" يعكس هذا الأفق الجديد.

حصارٌ فشل قبل أن يبدأ

من منظور آخر، يحمل اجتماع شنغهاي رسالة واضحة: إن ادعاء الولايات المتحدة بإمكانية "سحق" إيران، لا سيما من خلال الضغط الاقتصادي، بعيد كل البعد عن الواقع على الأرض.

في الأيام الأخيرة، شدد مسؤولون أمريكيون، من ترامب وهيغسيت إلى روبيو ووزير الخزانة، على تكثيف الضغط والحصار الاقتصادي على إيران؛ حصارٌ يهدف، بحسب واضعيه، إلى إضعاف الاقتصاد الإيراني، وخلق أزمة داخلية، وإجبار طهران على قبول مطالب مثل إعادة فتح مضيق هرمز، والحد من قدراتها النووية والدفاعية، والانسحاب من دورها الإقليمي.

لكن وجود إيران في قلب إحدى أهم الآليات المتعددة الأطراف غير الغربية، في هذه المرحلة بالذات، يُظهر أن طهران ليست معزولة فحسب، بل وسّعت نطاق خياراتها. فحدودها البرية الشاسعة، وعضويتها في شنغهاي، ومجموعة البريكس، وأوراسيا، وعلاقاتها المتنامية مع الاقتصادات الكبرى، تُوفر لإيران أدوات عديدة لمواجهة الضغوط والحصار؛ في المقابل، تواجه الولايات المتحدة خيارات محدودة في أزمة الطاقة، ويظل مضيق هرمز أحد أهم المتغيرات في هذه المعادلة.

شنغهاي: خريطة جديدة للاقتصاد العالمي

لا يُمثل تكوين أعضاء شنغهاي مجرد قائمة سياسية، بل هو انعكاس لجزء كبير من سكان العالم، وأراضيه، وموارده، وأسواقه، وقدراته الاقتصادية. ويُشير تداخل أعضاء هذه المنظمة مع مجموعة البريكس والهياكل الاقتصادية الإقليمية إلى تشكيل شبكة يُمكن أن تلعب دورًا حاسمًا في بنية الاقتصاد الدولي مستقبلًا.

من هذا المنظور، لا يُعد وجود إيران في شنغهاي مجرد مشاركة في اجتماع دبلوماسي، بل هو بالأحرى مؤشر على تغير المشهد السياسي. لم يعد العالم محصوراً بالضرورة ضمن إطار نظام اقتصادي قائم على الدولار والإرادة الأمريكية، وتتوسع البدائل من التعاون الإقليمي إلى المعاهدات متعددة الأطراف.

الدبلوماسية الإيرانية: من هيمنة أمريكا إلى فلك المصالح الوطنية

إن قوة إيران في مواجهة الضغوط الخارجية هي ثمرة تضافر الجهود الميدانية والشعبية والدبلوماسية؛ فقد أصبحت إنجازات الميدان عماد الدبلوماسية، كما استطاعت الدبلوماسية بدورها إيصال حقيقة قوة إيران وردعها إلى البيئة الدولية.

مع ذلك، فإن هذا المسار ليس خطياً ولا يمكن التنبؤ به. تعيد طهران تنظيم مساراتها الدبلوماسية والميدانية استناداً إلى مبادئ الشرف والحكمة والمصلحة، وفقاً للظروف. ولعل من بين أخطاء أمريكا التقديرية اعتقادها بأن سلوك إيران محصورٌ فقط ضمن إطار فهم إسلام آباد، وأن وجود وسطاء باكستانيين وعمانيين وقطريين كفيلٌ بتغيير سلوك طهران ميدانياً أو دبلوماسياً.

الدبلوماسية الإيرانية مع ذلك، أكدت إيران صراحةً أن قراراتها لن تُبنى على حسابات واشنطن، بل على الاستراتيجية والمصالح والأمن القومي. وفي هذا السياق، وبعد العدوان الأمريكي على لارك، وجّهت القوات المسلحة الإيرانية رسالةً واضحةً باستهدافها قواعد أمريكية في الأردن والإمارات: ستُعاد صياغة معادلات الميدان، من مضيق هرمز إلى كيفية التعامل مع التهديدات، في طهران، وستُبنى على مصالح إيران.

في المجال الدبلوماسي، ورغم أن طهران تعتبر عودة الولايات المتحدة إلى التزاماتها تجاه إسلام آباد شرطًا أساسيًا للمفاوضات، فإن الدبلوماسية الإيرانية لم تعد تدور حول واشنطن وحدها؛ إذ يُعد خطاب بزيزيان في شنغهاي ولقاءاته الثنائية مع مسؤولين من الدول الحاضرة مؤشرًا على توجه الدبلوماسية نحو أطر جديدة.

الذكرى الخامسة والعشرون لتأسيس منظمة شنغهاي للتعاون: اختبارٌ حاسمٌ لقوة صاعدة
يمكن اعتبار مرور خمسة وعشرين عامًا على تأسيس منظمة شنغهاي للتعاون نهاية حقبة وبداية مرحلة جديدة. مرحلةٌ اجتازت فيها المنظمة اختباراتها الأولية وبلغت مستوىً من النضج المؤسسي.

ورغم تأكيد مؤسسي شنغهاي على تجنب الانخراط المباشر في الصراعات العسكرية والسياسية، فقد أظهر أداء المنظمة أن المبادئ الاستراتيجية، كدعم الأعضاء، والاضطلاع بدورٍ في المعادلات العالمية، والتعاون في مجالي الطاقة والتكنولوجيا، والتحرك نحو نظامٍ متعدد الأطراف، والدفاع عن القانون الدولي، باتت تُشكّل جزءًا لا يتجزأ من هويتها.

والآن، قد تُمثّل إيران الاختبار الأهم لهذه المرحلة. فبالاعتماد على القوة العسكرية، والقدرات المحلية، والصمود الاجتماعي، والدبلوماسية الفعّالة، قدّمت طهران صورةً مختلفةً للمقاومة في وجه ضغوط القوى العظمى. وفي هذا السياق، لا تُعدّ إدارة إيران لمضيق هرمز مجرد قضية إقليمية، بل هي جزءٌ من الصراع الدائر حول مستقبل الأمن والنظام الاقتصادي في غرب آسيا، بل وحتى سوق الطاقة العالمي.


نورنيوز
تعليقات

الاسم

البريد الالكتروني

تعليقك