نورنيوز: لعلّ أكثر الحقائق إثارة للدهشة في الحرب الإيرانية الأمريكية هذه الأيام ليست ما تقوله واشنطن عن الوضع في إيران، بل الصورة التي ترسمها وسائل الإعلام الغربية والبيانات المؤسسية عن الوضع في الولايات المتحدة.
يقول دونالد ترامب إن "مضيق هرمز مفتوح"، وتواصل الحكومة الأمريكية الحديث عن استمرار الضغوط الاقتصادية على إيران. ولكن إذا كان مضيق هرمز قد عاد بالفعل إلى وضعه الطبيعي، فلماذا لا تزال حركة الملاحة البحرية فيه منخفضة للغاية، بل وصلت إلى أدنى مستوى ممكن؟
وصلت مخزونات الديزل الأمريكية إلى أدنى مستوى موسمي لها منذ أكثر من أربعة عقود، وامتدت تكلفة الحرب حتى إلى منطقة زراعة الذرة الأمريكية؟ يُعدّ هذا التناقض نقطةً مهمةً لفهم المرحلة الجديدة من الحرب.
على الرغم من الزيادة المحدودة في حركة الملاحة، لا تزال الشحنات التجارية عبر مضيق هرمز أقل بكثير من مستوياتها الطبيعية، وفقًا لرويترز؛ إذ عبرت عشر سفن شحن المضيق في يوم واحد، مقارنةً بمتوسط 15 سفينة على مدى عشرة أيام. وذكر تقرير آخر لرويترز أن حركة الملاحة الإجمالية لا تزال تتراوح بين 5 و15% فقط من المعدل الطبيعي. لذا، فإن "الفتح المصطنع" لمضيق هرمز لا يعني بالضرورة أنه "عاد إلى طبيعته".
أفادت بلومبيرغ أن مخزونات المشتقات النفطية الأمريكية، التي يُعدّ الديزل مكونها الرئيسي، انخفضت إلى 103.4 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 21 أغسطس، وهو أدنى مستوى موسمي في البيانات المتاحة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي. والأهم من ذلك، أن هذا الانخفاض يأتي قبيل ذروة موسم التدفئة والأنشطة الزراعية، حيث يُحتمل أن تتصاعد ضغوط السوق.
كتبت صحيفة فايننشال تايمز عن أسوأ أزمة مالية يواجهها مزارعو الحبوب الأمريكيون منذ أربعين عامًا. فقد ارتفعت أسعار الديزل والأسمدة بشكلٍ كبير، وصرح أحد المزارعين في نبراسكا للصحيفة بأن سعر سماد الفوسفات، الذي كان 470 دولارًا للطن قبل عقد من الزمن، قد تجاوز الآن 900 دولار. ويُقدّر الاتحاد الأمريكي لعلماء الزراعة أن منتجي تسعة محاصيل رئيسية سيتكبدون خسائر بقيمة 31 مليار دولار هذا العام، في حال عدم تلقيهم أي دعم حكومي.
بعبارة أخرى، فإن ما صُمم في البداية كأداة ضغط على إيران، يُحمّل الآن جزءًا كبيرًا من تكلفته على الاقتصاد الأمريكي.
أفادت وكالة أسوشيتد برس أن مخزون صواريخ باتريوت الأمريكية في أوروبا قد وصل إلى ما وصفه مسؤولون أمريكيون ومسؤولون في حلف شمال الأطلسي بأنه "فوق حرج". ووفقًا للتقرير، فقد استُهلك حوالي 1500 صاروخ من أصل 2330 صاروخ باتريوت اعتراضي أمريكي، وكانت الحرب مع إيران العامل الرئيسي في تفاقم هذا النقص.
في حرب الاستنزاف، لا يقتصر الأمر على من يوجه الضربات الأقوى للطرف الآخر، بل على من يستطيع تحمل تكلفة استمرار الضغط لأطول فترة ممكنة.
بينما تتحدث واشنطن عن مواصلة الحصار والضغط الاقتصادي لإجبار إيران على الاستسلام، فإنها تواجه ثلاثة ضغوط متزامنة: ضغط الطاقة، والضغط الاقتصادي، والضغط على الاحتياطيات العسكرية. كما أفادت رويترز أن ترامب اختار مسار الضغط الاقتصادي في الوقت الراهن، في حين تتواصل الجهود الدبلوماسية لفتح مضيق هرمز، وصرح بأن الولايات المتحدة لا تنوي التفاوض مع إيران.
وهنا يبرز سؤال استراتيجي هام:
إذا كان الهدف هو إضعاف إيران، فهل تمتلك واشنطن القدرة على تحمل تكاليف حرب يُتوقع لها أن تطول؟
لأن الحصار البحري ليس بلا ثمن. فاستمراره يتطلب سفنًا وطائرات ووقودًا وذخيرة وطائرات اعتراضية وإمدادات لوجستية ووجودًا عسكريًا مستمرًا. إن استمرار هذا الوضع يوميًا، بالإضافة إلى الضغط على الطرف الآخر، يستنزف أيضًا جزءًا كبيرًا من قدرات أمريكا.
لعل هذا هو السبب في أنه لا ينبغي تقييم قضية هرمز بمجرد السؤال "هل هي مفتوحة أم مغلقة؟"
السؤال الحقيقي هو: لمن لا يزال بالإمكان إدارة هرمز، ولمن ستزداد تكلفة إدارتها؟
تقول واشنطن إن الضغط الاقتصادي سيدفع إيران إلى حافة الانهيار. لكن البيانات المنشورة في وسائل الإعلام الغربية تُظهر أن الحرب تُلقي بظلالها أيضًا على قطاعات الطاقة والزراعة والتضخم والاحتياطيات العسكرية الأمريكية.
في ظل هذه الظروف، امتدت جبهة الحرب الرئيسية من الخليج الفارسي؛ لتصل إلى المزارع الأمريكية وقطعان الماشية والنقص الحاد في اللحوم ومستودعات الوقود وسلاسل الإمداد، وحتى مستودعات صواريخ باتريوت.
وربما هذه هي المفاجأة الأكبر في الحرب:
لا تزال الولايات المتحدة تتحدث عن "الضغط الأقصى"، لكن السؤال الاستراتيجي لم يعد يقتصر على مقدار الضغط الذي يمكنها ممارسته على إيران، بل على التكلفة التي يمكنها تحملها لمواصلة هذا الضغط.
نورنيوز