نورنيوز: لم تكن الحرب الإيرانية مجرد عملية عسكرية مكلفة للجيش الأمريكي، بل أصبح هذا الصراع اختبارًا حقيقيًا لعمق مخزونات الأسلحة، والقدرة الإنتاجية للصناعات الدفاعية، وقدرة البنتاغون على استبدال الذخائر المستهلكة. في الأشهر الأخيرة، نُشرت تقارير عديدة في وسائل الإعلام الأمريكية ومراكز الأبحاث حول انخفاض مخزونات الصواريخ الدفاعية، والصواريخ بعيدة المدى، والذخائر الموجهة.
وتُظهر كشوفات حديثة من مصادر عسكرية واستراتيجية غربية موثوقة صورة مختلفة عن القدرة اللوجستية المستدامة للجيش الأمريكي في حرب الصواريخ. في تقرير مفصل، قامت قاعدة بيانات "ديفنس ون" المتخصصة بدراسة حالة مخزونات البنتاغون من الأسلحة والذخائر الموجهة، وأعلنت أن مخزونات الدفاع الصاروخي والذخائر الموجهة بدقة في الولايات المتحدة لم تشهد انخفاضًا حادًا في أنظمة الدفاع المعروفة مثل باتريوت وثاد فحسب، بل إن الأسلحة الهجومية جو-أرض التابعة لمقاتلات الجيل الخامس، مثل إف-35 وإف-22، تواجه ضغطًا لوجستيًا غير مسبوق.
وبالطبع، لا تقتصر المشكلة على نوع واحد من الصواريخ. تُظهر الدراسات المنشورة حول حالة الأسلحة الأمريكية أن الضغط الأكبر يقع على مجموعة من الصواريخ الاعتراضية الدفاعية، والصواريخ بعيدة المدى، والذخائر الموجهة بدقة؛ وهي أسلحة باهظة التكلفة وتستغرق وقتًا طويلًا في الإنتاج.
من باتريوت وثاد إلى الصواريخ بعيدة المدى؛ المخزونات الأمريكية تحت ضغط الحرب
يُعد انخفاض مخزونات الدفاع الصاروخي الأمريكية أحد أهم مؤشرات هذا الوضع. في تحليل نُشر في 27 يوليو/تموز، قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي (CSIS) أن مخزون صواريخ باتريوت الأمريكية قد انخفض إلى أقل من ألف صاروخ اعتراضي، ومخزون صواريخ ثاد إلى حوالي 250 صاروخًا اعتراضيًا. وحذّر المركز من أن هذا الانخفاض في المخزونات قد يُجبر الولايات المتحدة وحلفاءها على المخاطرة بشكل أكبر في استخدامهم للصواريخ الاعتراضية في حال استئناف الحرب.
وقد رسمت تقارير أخرى صورة مماثلة. إذ ذكرت وكالة أسوشيتد برس، نقلاً عن تحليلات منشورة، أن مخزون صواريخ باتريوت وثاد الاعتراضية قد انخفض بشكل ملحوظ خلال الحرب، وأن البنتاغون طلب من شركات الأسلحة تقديم خطط لزيادة الإنتاج بسرعة.
تكمن أهمية هذه المسألة في ارتفاع سعر كل صاروخ اعتراضي ومحدودية طاقته الإنتاجية. فعلى عكس الذخائر البسيطة، تُعدّ الصواريخ الدفاعية المتقدمة منتجات ذات سلاسل إمداد معقدة، ومكونات متخصصة، وعمليات تصنيع متعددة المراحل. ولهذا السبب، فإن الارتفاع المفاجئ في الطلب لا يعني بالضرورة ارتفاعًا فوريًا في العرض.
في الوقت نفسه، لا تقتصر الأزمة على قطاع الدفاع الصاروخي. أفادت وكالة رويترز في الرابع من أغسطس/آب بأن الجيش الأمريكي استنفد تقريبًا كامل مخزونه من بعض الصواريخ الموجهة بدقة بعيدة المدى خلال الحرب مع إيران، وأن نفاد صواريخ مثل أتاكمس وبريسم أثار مخاوف بشأن جاهزية الولايات المتحدة للصراعات المستقبلية.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة من جانب واحد: إذ يتعين على الجيش الأمريكي الحفاظ في آن واحد على قدراته التسليحية لعدة مناطق استراتيجية، بما في ذلك الشرق الأوسط وأوروبا وشرق آسيا. لذا، فإن كل صاروخ يُستهلك في حرب ما لا يُمثل بالضرورة تكلفة مرتبطة بتلك الحرب فحسب، بل قد يؤثر أيضًا على قدرة الردع الأمريكية في مناطق أخرى.
ويركز تقرير "ديفنس وان" على هذه المسألة تحديدًا. ويشير التقرير إلى أن جهود شركات الدفاع لتوفير ذخيرة أرخص، وقرار البنتاغون بمنح عقود جديدة، لا يمكنهما حل مشكلة النقص الناجم عن الحرب مع إيران على المدى القصير.
أخطاء البنتاغون: من أزمة أوكرانيا إلى عوامل الأسلحة الفلكية
وفقًا لوكالة الدفاع الاستراتيجي الأمريكية، تعود جذور هذه الأزمة إلى سلسلة من القرارات العملياتية والأخطاء في التقدير خلال السنوات الأخيرة. فابتداءً من عام 2023، أرسل البنتاغون جزءًا كبيرًا من منظومات وصواريخ باتريوت لدعم كييف دون إنشاء بنية تحتية بديلة سريعة. وفي الوقت نفسه، وبهدف تحديث وتطوير قدرات الصواريخ إلى أجيال أحدث من خلال شركة لوكهيد مارتن، تم تحويل كمية كبيرة من الاحتياطيات الأولية إلى أعضاء حلف الناتو في شكل عقود عسكرية.
أخطاء البنتاغون حدثت هذه التغييرات في وقتٍ جعلت فيه تكلفة الصواريخ الجديدة أي استبدال فوري أمرًا مستحيلاً:
صاروخ باتريوت: حوالي 3.5 إلى 4.5 مليون دولار أمريكي للصاروخ الواحد
صاروخ ثاد للدفاع الجوي عالي الارتفاع (THAAD): ما بين 6.5 و9.9 مليون دولار أمريكي للصاروخ الواحد
الصواريخ الباليستية البحرية (مثل RIM وMIM): ما بين 8 و12.5 مليون دولار أمريكي للقذيفة الواحدة
بالإضافة إلى العوامل الفلكية، فإن دورة إنتاج هذه الصواريخ معقدة للغاية نظرًا لاستخدام سبائك التيتانيوم عالية الكثافة، والبوليمرات المتقدمة المقاومة للضغط، وآلاف المكونات الإلكترونية وأجهزة استشعار الأقمار الصناعية؛ لذا فإن الإنتاج الضخم لكل دفعة من هذه الأسلحة يتطلب ما بين 3 و5 سنوات، ولا تملك الصناعات الدفاعية في واشنطن القدرة على تحقيق قفزة نوعية في المدى القريب.
إن المشكلة الأساسية بالنسبة للبنتاغون ليست فقط عدد الصواريخ التي يتم إطلاقها؛ بل تكمن المشكلة الأكبر في سرعة إعادة الإنتاج.
لماذا تستغرق إعادة بناء الترسانة الأمريكية سنوات؟
في تحليل آخر نُشر في أبريل/نيسان 2026، ذكر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن المخاوف بشأن مخزونات الذخيرة الأمريكية قد ازدادت بعد الاستخدام المكثف لصواريخ توماهوك وباتريوت وغيرها من الأسلحة في الحرب الإيرانية. ومع ذلك، أكد المركز أن الولايات المتحدة لم تصل بالضرورة إلى مرحلة "نفاد الذخيرة تمامًا" في السيناريوهات المحتملة لاستمرار الحرب نفسها؛ فالقلق الرئيسي يكمن في تأثير نقص المخزونات على الحروب المستقبلية.
هذا التمييز بالغ الأهمية. فالقول بأن "الولايات المتحدة لم تعد تمتلك صواريخ" لا يتوافق مع البيانات المتاحة. لكن حقيقة انخفاض حجم مخزونات بعض الأسلحة الحيوية، وأن إعادة تعبئتها تستغرق وقتًا، تتفق مع تقارير عديدة من مصادر أمريكية.
كما ذكر مشروع الرقابة الحكومية، وهو مركز أبحاث، في تقرير له عن الذخيرة الأمريكية، أنه حتى لو اعتُبرت العملية العسكرية ناجحة من حيث أهدافها المعلنة، فإن التكلفة باهظة من حيث حجم المخزون والفترة الزمنية التي تتراوح بين أربع وسبع سنوات اللازمة لاستبدال بعض الذخائر المستهلكة.
وذكر مشروع الرقابة الحكومية، وهو مركز أبحاث، في تقرير له عن الذخيرة الأمريكية، أنه حتى لو اعتُبرت العملية العسكرية ناجحة من حيث أهدافها المعلنة، فإن التكلفة باهظة من حيث حجم المخزون والفترة الزمنية التي تتراوح بين أربع وسبع سنوات اللازمة لاستبدال بعض الذخائر المستهلكة.
كما اتبع البنتاغون نهج زيادة الطاقة الإنتاجية استجابةً لهذه الظروف. فعلى سبيل المثال، أفادت رويترز أن شركة لوكهيد مارتن حصلت على عقود ضخمة في عام 2026 لزيادة إنتاج أنظمة مثل نظام ثاد وصواريخ بريسيجن سترايك، وهي خطوة تُظهر أن مسألة إعادة بناء المخزونات تُؤخذ على محمل الجد على أعلى مستويات الجيش والصناعة الأمريكية.
كما أفاد موقع ديفنس وان بجهود صناعة الدفاع لتوفير نسخ أرخص من الصواريخ الاعتراضية والذخائر؛ ولكنه حذر في الوقت نفسه من أن العقود الجديدة لا يمكنها سدّ النقص على الفور.
في الواقع، لا يعني بناء مصنع جديد أو توسيع خطوط الإنتاج تسليم آلاف الصواريخ فورًا. فعمليات شراء المكونات وتدريب المتخصصين والاختبار ومراقبة الجودة والحصول على الشهادات التشغيلية تستغرق وقتًا. ولهذا السبب، قد تستمر الفجوة بين الإنفاق الحربي وإعادة بناء الصناعة لسنوات.
في هذا السياق، علّمت الحرب الإيرانية البنتاغون درسًا مهمًا: فالجيش المصمم لحروب محدودة وعمليات قصيرة الأجل يواجه مشكلة مختلفة تمامًا عند مواجهة حرب طويلة الأمد تتطلب استهلاكًا كبيرًا للصواريخ باهظة الثمن. بالطبع، لا يعني هذا الوضع انهيار القوة العسكرية الأمريكية أو نهاية قدرتها العملياتية. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك واحدة من أكبر الصناعات الدفاعية في العالم، وقد خصصت مليارات الدولارات لزيادة إنتاج الذخيرة. لكن تجربة الحرب مع إيران أظهرت أن حتى أكبر ترسانة أسلحة في العالم تعاني من قيود صناعية ولوجستية في مواجهة حرب طويلة ومكلفة.
وأخيرًا، ما يُسلَّط الضوء عليه الآن في تقارير من "ديفنس وان" و"مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" و"رويترز" ومصادر أمريكية أخرى ليس "نفاد الصواريخ الأمريكية"، بل انخفاض مخزون بعض الأسلحة الرئيسية وصعوبة استبدالها بسرعة؛ وهي مسألة قد تُعقِّد حسابات واشنطن بشأن مواصلة حرب استنزاف مع الحفاظ في الوقت نفسه على الجاهزية لمواجهة الصين وروسيا وتهديدات أخرى.
نورنيوز