معرف الأخبار : 341139
تاريخ الإفراج : 8/25/2026 2:53:20 PM
حرب أمريكية صينية على التجارة العالمية؛ أين إيران في هذه المعادلة؟

حرب أمريكية صينية على التجارة العالمية؛ أين إيران في هذه المعادلة؟

بإعلانها "يوم النصر الاقتصادي" ضد إيران، رفعت إدارة ترامب مستوى العقوبات من أقصى درجات الضغط إلى حرب اقتصادية شاملة؛ لكن هذه المرة، لا يقتصر الأمر على حساب الصين لأرباح وخسائر التجارة الإيرانية الأمريكية، بل عليها أيضاً أن تُقرر بشأن سيادتها الاقتصادية وحقوقها التجارية المستقلة.

نور نيوز: بإعلانها مرحلة جديدة من الضغط الاقتصادي على إيران، دخلت الحكومة الأمريكية مجالاً شائكاً يُمكن وصفه بـ"الحرب الاقتصادية العالمية"؛ وهي مرحلة لم تعد تُسمى ببساطة "أقصى درجات الضغط"، بل أطلقت عليها واشنطن مصطلحات مثل "يوم النصر الاقتصادي" و"الحرب الاقتصادية". وقد أعلن وزير الخزانة الأمريكي، باسنيت، أن واشنطن تعتزم قطع جميع شرايين إيران الاقتصادية المتبقية، وحذّر الدول التي تُواصل التجارة مع طهران من أنها ستواجه عواقب اقتصادية وعقوبات أمريكية ثانوية إذا استمرت هذه العلاقات. تستهدف الحزمة الجديدة أيضاً نحو 60 فرداً وكياناً مرتبطين بإيران، مع أن واشنطن امتنعت حتى الآن عن استهداف بعض المؤسسات المالية، بما فيها بنوك صينية كبرى.

يثير هذا التطور تساؤلاً هاماً: هل الصين مستعدة لمواجهة الولايات المتحدة ودفع الثمن للحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع إيران؟ لا ينبغي البحث عن إجابة هذا السؤال في سياق العلاقات السياسية والاقتصادية بين بكين وطهران فحسب، أو حتى في تقييم الفوائد التجارية للتعاون الاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة ومقارنتها بحجم التجارة الصينية مع إيران. إن الحجة القائلة بأن حجم التجارة الصينية مع الولايات المتحدة أكبر بكثير من حجم تجارتها مع إيران، وبالتالي ستتراجع بكين في نهاية المطاف لحماية مصالحها من واشنطن، تتجاهل متغيراً جوهرياً.

إن القضية الرئيسية في النزاع الصيني الأمريكي ليست إيران، بل حق الدول في السيادة الاقتصادية وحدود سلطة أمريكا في تنظيم التجارة خارج حدودها.
وقد أنشأت الصين في السنوات الأخيرة بنية قانونية متعددة المستويات لمواجهة هذا التوجه تحديداً. يُعدّ قانون مكافحة العقوبات الأجنبية الصيني، الذي دخل حيز التنفيذ في يونيو/حزيران 2021، الركيزة الأهم. تنص المادة 12 من هذا القانون على أنه لا يجوز للمنظمات والأفراد تنفيذ أو المساعدة في تنفيذ العقوبات والتدابير التقييدية التي تفرضها الدول الأجنبية على المواطنين أو المنظمات الصينية. وقد وفرت هذه المادة أساسًا هامًا لتحديد المسؤولية القانونية عن الامتثال للعقوبات الأجنبية داخل الصين.

لا تكمن أهمية هذا القانون في نطاق سلطة الحكومة الصينية في فرض التدابير المضادة فحسب، بل أيضًا في تمكين الأفراد والشركات الصينية التي تتكبد خسائر جراء تطبيق العقوبات الأجنبية من اللجوء إلى القضاء والمطالبة بالتعويض. وهذا يعني أن الشركة التي ترفض التعامل مع جهة صينية بسبب العقوبات الأمريكية قد تواجه دعاوى مسؤولية وتعويضات في المحاكم الصينية.

وقد تم تعزيز هذه الآلية بلوائح تكميلية في مارس/آذار 2025. وبموجب هذا الإطار، قد يؤدي تنفيذ العقوبات الأجنبية أو المساعدة في تنفيذها إلى إدراج الأفراد والكيانات في قوائم التدابير المضادة وتطبيق هذه التدابير.

تم تعزيز هذه الآلية بلوائح تكميلية في مارس/آذار 2025. يُعدّ نظام "قواعد الحظر"، أو "قواعد مواجهة التنفيذ غير المبرر للقوانين والتدابير الأجنبية خارج حدود الصين"، طبقةً أخرى من هذا النظام. تسمح هذه القواعد لبكين بمنع تطبيق العقوبات والقيود الأجنبية على الأراضي الصينية في حالاتٍ مُحددة. وقد تجلّت أهمية هذه الآلية في 2 مايو/أيار 2026، عندما استخدمت وزارة التجارة الصينية هذه الصلاحية لأول مرة، وردًا على العقوبات المفروضة على خمس مصافٍ صينية، أمرت بعدم الاعتراف بالعقوبات ذات الصلة أو تنفيذها أو الامتثال لها داخل الصين. وكان هذا الإجراء مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بالعقوبات الأمريكية المفروضة على المصافي الصينية بسبب شراء النفط الإيراني.

لكن الصين اتخذت خطوةً أكثر أهمية: فقد نقلت مكافحة العقوبات الأمريكية من مستوى الحكومات واللوائح الإدارية إلى مستوى المحاكم والعلاقات التجارية الخاصة.

من الأمثلة الواضحة على ذلك القضية المرفوعة أمام محكمة شنغهاي البحرية ضد شركة شحن سنغافورية. ففي عام ٢٠٢٢، شحنت شركة من هونغ كونغ شحنة من البضائع الإلكترونية بقيمة تقارب ٥ ملايين يوان من شنغهاي إلى بنما. وبعد أن علمت الشركة السنغافورية بأن شركة هونغ كونغ مدرجة على قائمة العقوبات الأمريكية، امتنعت عن الوفاء بالتزاماتها وأعادت البضائع في نهاية المطاف إلى الصين. وفي فبراير ٢٠٢٦، أمرت محكمة شنغهاي البحرية الشركة بدفع أكثر من ٤.٩٩ مليون يوان، أي ما يعادل حوالي ٧٤٠ ألف دولار، بالإضافة إلى الفوائد.

وقالت المحكمة إن المخاوف من العقوبات الأجنبية لا تُعدّ دفاعًا قانونيًا عن عدم تنفيذ العقد، إذ قد يندرج هذا السلوك تحت المادة ١٢ من قانون مكافحة العقوبات الأجنبية.

ولا تقتصر أهمية قضية سنغافورة على قيمة التعويضات فحسب، بل إن المحكمة الشعبية العليا في الصين أدرجت هذه القضية ضمن سلسلة القضايا النموذجية، معتبرةً إياها أول قرار قضائي يؤكد صراحةً إلزامية قانون مكافحة العقوبات الأجنبية. بل إن المحكمة قضت بأن الخوف من مواجهة العقوبات الأمريكية لا يُعدّ، في حد ذاته، أساسًا قانونيًا لخرق التزام تعاقدي في الصين.

يحمل هذا التطور رسالة بالغة الأهمية للشركات الدولية: قد تُعرّض شركة أجنبية نفسها لعقوبات في واشنطن إذا لم تمتثل للعقوبات الأمريكية؛ ولكن إذا رفضت الوفاء بالتزاماتها تجاه جهة صينية لمجرد تعرّضها لنفس العقوبات، فقد تواجه دعاوى قضائية ومطالبات بالتعويضات، بل وحتى تبعات تنظيمية في الصين. بعبارة أخرى، تتكبّد بكين "تكلفة قانونية للامتثال للعقوبات الأمريكية".

لذا، لا يمكن اختزال الأمر في عبارة "الصين تُحارب الولايات المتحدة من أجل النفط الإيراني". إيران ليست سوى واحدة من أهم الحالات الاختبارية في هذا الصراع. فإذا كانت القضية اليوم هي شراء النفط الإيراني، فقد تكون غدًا روسيا، أو دولة آسيوية، أو شركة تكنولوجيا، أو سلسلة توريد، أو أي طرف تجاري آخر قررت واشنطن منعه من الوصول إلى السوق والنظام المالي الأمريكيين.

في الواقع، لا تُدافع الصين عن إيران لمجرد أن تتمكن إيران من بيع المزيد من النفط؛ بل تُدافع عن حقها في أن تُقرر بشكل مستقل مع أي الدول تُتاجر وتحت أي قواعد. بالنسبة لبكين، تكمن القضية الأساسية في عدم تحوّل العقوبات الأمريكية الأحادية إلى قاعدة ملزمة للشركات والحكومات غير الأمريكية.

وبهذا المعنى، فإنّ "اليوم الاقتصادي الحاسم" الذي أعلنه ترامب وباسنيت ضد إيران له تداعيات تتجاوز طهران بكثير. تسعى واشنطن إلى بسط نفوذها الاقتصادي على شبكة من الدول والشركات الأجنبية لقطع شرايين إيران؛ في المقابل، دأبت الصين خلال السنوات القليلة الماضية على سنّ قوانين، ووضع لوائح عرقلة، وإصدار قوائم تعويضية، وإنشاء آليات قضائية لمواجهة هذا النفوذ الخارجي نفسه.

نتيجةً لذلك، لم يعد السؤال الحقيقي هو "هل ستدفع الصين ثمن ما تفعله إيران ضد الولايات المتحدة؟" بل السؤال الأهم هو: "هل تستطيع الولايات المتحدة وضع قواعد التجارة العالمية مستخدمةً قوة الدولار والسوق ونظامها المالي، وإجبار الآخرين على الاقتداء بها؟"

إيران ليست موضع جدل في هذه المعادلة؛ بل هي ساحة اختبار. الصراع الرئيسي هو مواجهة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، الأولى والثانية، حول من له الحق في وضع قواعد العلاقات الاقتصادية العالمية. إذا تراجعت الصين في هذا الاختبار، فإن أقل ما ستتكبده هو حرمانها من شراء النفط الإيراني. أما الضرر الذي يلحق بسمعتها جراء إرساء نموذج جديد للقوة الاقتصادية الأمريكية، فهو خسارة فادحة ستشكل تحديًا خطيرًا لهويتها السياسية والاقتصادية. وإذا استطاعت بكين خلق مقاومة قانونية واقتصادية للعقوبات الأمريكية الأحادية، فإنها ستدافع عن مصداقيتها السياسية وتعزز أحد أهم ركائز النظام الاقتصادي متعدد الأقطاب.


نورنيوز
تعليقات

الاسم

البريد الالكتروني

تعليقك