معرف الأخبار : 338738
تاريخ الإفراج : 8/15/2026 4:41:53 PM
لماذا سيكلف تهديد ترامب الجديد لإيران الولايات المتحدة المزيد؟

لماذا سيكلف تهديد ترامب الجديد لإيران الولايات المتحدة المزيد؟

لم يعد بالإمكان قياس وضع مضيق هرمز بمجرد عدد براميل النفط المارة عبره أو سعر النفط الخام. فالقفزة في فجوة أسعار المنتجات، وسلوك الصين المختلف، والضغط المتزايد على الاقتصاد الأمريكي، كلها مؤشرات على أن استمرار الحرب سيُكبّد واشنطن تكاليف باهظة، وهو ما قد يكون له، عشية انتخابات الكونغرس، آثار غير متوقعة على دعاة الحرب.

نورنيوز: عند تقييم الوضع الأمني ​​في الخليج الفارسي ومضيق هرمز، يُعتمد عادةً على مؤشرين رئيسيين: كمية النفط الخام المارة عبر المضيق، وسعر النفط العالمي. هذان المؤشران مهمان، لكنهما لا يكفيان لقياس عمق أزمة الطاقة الحقيقية. يُعد وضع المنتجات البترولية مؤشراً أكثر حسماً، حيث يدخل الديزل والبنزين ووقود الطائرات بشكل مباشر في النقل والإنتاج والحياة اليومية للناس.

في ظل الوضع الراهن، وصل الفارق السعري بين المنتجات والنفط الخام، أو ما يُعرف بفارق التكرير، إلى مستويات قياسية منخفضة، بل واقترب من 100 دولار للبرميل في سوق الديزل. في الوقت نفسه، انخفضت صادرات الديزل من روسيا والشرق الأوسط وآسيا، ويواجه السوق العالمي نقصًا متزايدًا في هذه المنتجات. تكمن أهمية هذا التطور في أن أزمة هرمز لم تعد مجرد أزمة "إمدادات نفط خام"، بل أصبحت أزمة طاقة تكرير وإمكانية الوصول إلى المنتجات. فقد أدى الضرر الذي لحق بالمصافي الروسية في حرب أوكرانيا، وتعطل المصافي الإقليمية، ومحدودية الوصول إلى مواد التغذية، إلى جانب انخفاض حركة المرور في مضيق هرمز، إلى خلق سلسلة إمداد هشة. وقد دفعت هذه الظروف روسيا، باعتبارها أحد الموردين الرئيسيين للبنزين في السوق العالمي، إلى أن تصبح مستوردة لهذا المنتج. في مثل هذه الحالة، قد تبدو أسعار النفط الخام تحت السيطرة ظاهريًا مقارنةً بحدة الاضطراب، لكن أسعار الديزل والبنزين ووقود الطائرات شهدت ارتفاعات غير مسبوقة. وهنا تتحول أزمة الطاقة من الأسواق المالية إلى الاقتصاد الحقيقي. أشارت تقارير حديثة أيضًا إلى نقص حاد في إمدادات الديزل، وسعي الولايات المتحدة لتزويد مصافيها من مصادر أبعد.

ويُعدّ سلوك الصين عاملًا حاسمًا في هذه المعادلة. تُظهر الأرقام الرسمية ارتفاع واردات الصين من النفط إلى 8.41 مليون برميل يوميًا في يوليو، وإن كانت لا تزال أقل من مستويات العام الماضي، وقد استوعبت الصين جزءًا من ضغوط السوق بخفض طلبها في المرحلة السابقة من الأزمة. لكن في سوق النفط الفعلي، تشير المعلومات الواردة من كبار التجار النشطين في بيع نفط الخليج الفارسي إلى زيادة في الطلب الصيني على الشراء في أغسطس؛ وهي معلومات، وإن لم تنعكس بعد في الإحصاءات الشهرية الرسمية أو التقارير الدولية العامة، إلا أنها كان لها أثرها العملي على السوق. ووفقًا لهذه المعلومات، في بعض الصفقات، ارتفع سعر العرض للشحنات بنحو دولارين للبرميل في غضون يوم واحد. إذا استمر هذا الاتجاه، فسيعني ذلك زيادة المنافسة على الشحنات المتاحة، مما يزيد الضغط على أسعار المواد الخام والمنتجات في المصافي.

يكتسب هذا الوضع أهمية استراتيجية أكبر عند النظر إليه جنبًا إلى جنب مع حالة الاقتصاد الأمريكي. تباطأ النمو الاقتصادي الأمريكي إلى 1.5% في الربع الثاني من عام 2026، بعد أن كان 2.1% في الربع الأول. وفي السوق المالية، عُقد مزاد بقيمة 25 مليار دولار لسندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا في 13 أغسطس/آب، بعائد بلغ 5.216%، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2001. وفي الوقت نفسه، بلغ عجز الموازنة في يوليو/تموز 432 مليار دولار، بينما بلغ العجز التراكمي للسنة المالية حوالي 1.8 تريليون دولار.

في ظل هذا الوضع الاقتصادي، قد تُحدث أسعار الطاقة المرتفعة صدمة متعددة الأوجه: ارتفاع أسعار المنتجات، واستمرار التضخم عند مستويات عالية، وتشديد الاحتياطي الفيدرالي لسياسة خفض أسعار الفائدة، وبقاء أسعار الفائدة طويلة الأجل مرتفعة؛ ونتيجة لذلك، ترتفع تكلفة تمويل الحكومة وخدمة الدين. لذا، لا تقتصر تكاليف الحرب على الجانب العسكري لواشنطن فحسب، بل قد تشمل أيضًا تكاليف مالية وتضخمية وسياسية.
... من هذا المنظور، يُشكّل تهديد دونالد ترامب الأخير بفرض "ضغوط اقتصادية هائلة" على إيران، إذا ما اقترن بزيادة الضغط على مضيق هرمز، مفارقة استراتيجية. قد تتمكن الولايات المتحدة من زيادة الضغط على إيرادات إيران، لكن ردة الفعل ستؤدي إلى استمرار اضطراب قطاع الطاقة، وسيُحمّل جزء كبير من تكلفة هذا الضغط على السوق العالمية، وفي نهاية المطاف على المستهلك الأمريكي.

وقد أقرّ ترامب نفسه علنًا بارتفاع أسعار البنزين، معتبرًا إياه تكلفة يتحملها الأمريكيون، بينما تشير التقارير الأخيرة إلى تزايد السخط الداخلي والضغوط السياسية الناجمة عن الحرب وأسعار الوقود.

وهنا تبرز انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني كعائق خطير أمام واشنطن. فقد انقلبت آثار الحرب، التي كان من المفترض أن تزيد الضغط على إيران، ضدها، وأصبحت قضية تتعلق بأسعار البنزين والتضخم والقدرة الشرائية والأداء الاقتصادي للحكومة قبيل الانتخابات. وأظهر استطلاع رأي حديث أن ثلثي الأمريكيين يعارضون الحرب، وأصبح الضغط الاقتصادي الذي ستسببه نقطة ضعف لدى الجمهوريين.

من هذا المنظور، لا ينبغي قياس مستقبل الحرب بقدرة كل طرف على توجيه ضربة فحسب، بل إن المعيار الأهم هو القدرة على تحمل تكلفة هذه الضربة. فإذا تحولت الحرب إلى حرب استنزاف، فقد يصبح الوقت هو العامل الحاسم. ستواجه إيران ضغوطًا اقتصادية شديدة، لكن على الولايات المتحدة أيضًا إدارة تكاليف الطاقة والتضخم وأسعار الفائدة والديون والانتخابات في آن واحد. في المقابل، إذا سعت واشنطن إلى تصعيد الضغط بسرعة، فعليها أن تتقبل خطر تجدد اضطراب الطاقة الذي قد يتحول إلى صدمة اقتصادية.

لذا، تتغير معادلة الحرب من "القدرة على ممارسة الضغط" إلى "القدرة على تحمل الضغط المتبادل". يستطيع ترامب التهديد بزيادة الضغط الاقتصادي على إيران، ولكن كلما زاد مرور هذا الضغط عبر خطوط الطاقة وممر هرمز، زادت احتمالية تحوله إلى ارتداد اقتصادي وانتخابي على الولايات المتحدة. ولعل أهم مؤشر على وضع هرمز لم يعد عدد البراميل المارة، بل مقدار الدولارات التي ستضيفها هذه الأزمة إلى أسعار الديزل والبنزين ووقود الطائرات، ومدى استنزاف هذه الزيادة في الأسعار للقدرة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة. في هذا السياق، لم تعد الحرب مجرد منافسة لقياس القوة العسكرية للأطراف، بل أصبحت أيضًا اختبارًا لمرونة ترامب الاقتصادية والسياسية حتى انتخابات نوفمبر.


نورنيوز
تعليقات

الاسم

البريد الالكتروني

تعليقك