معرف الأخبار : 338500
تاريخ الإفراج : 8/14/2026 3:24:14 PM
لماذا استُبعدت القاهرة من الاتفاق الثلاثي بين الرياض وإسطنبول وإسلام آباد؟

لماذا استُبعدت القاهرة من الاتفاق الثلاثي بين الرياض وإسطنبول وإسلام آباد؟

كشف مسؤولان عسكريان وسياسيان مصريان لـ"نورنيوز" سبب غياب القاهرة عن الإعلان عن اتفاقية الدفاع السعودية التركية الباكستانية: فقد أرادت مصر أن تكون عضوًا مؤسسا، لكنها لم تقبل صيغة "الانضمام اللاحق"؛ وهو قرار، بحسب أحد المصادر، مرتبط بـ"شرف العرب وحمايتهم".

نورنيوز: إن ما يحدث في الأيام الأخيرة فيما يتعلق بالإطار الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، لا يُشير إلى ولادة تحالف أمني عملي كامل ذي هيكل واضح، بل يُشير إلى جهود الدول الثلاث لإنشاء إطار سياسي أمني جديد والاستفادة من قدراته الاستراتيجية والإعلامية. لا يزال هذا الإطار في مراحله الأولى، ويجري تحديد تفاصيل آلياته التنفيذية وأساليب صنع القرار فيه، والعديد من أبعاده المؤسسية. لذلك، في المرحلة الحالية، لا تقل أهميته السياسية والرمزية عن أهميته العملية.

في ظل هذه الظروف، فإن غياب مصر عن الإعلان الأولي عن إطار العمل يتجاوز مجرد اختلاف شكلي.

قدّم مسؤول عسكري مصري ومسؤول سياسي مصري، فضّلا عدم الكشف عن اسميهما، روايةً مقنعةً عن غياب القاهرة في مقابلة مع موقع نورنيوز. ووفقًا للمسؤولين، لم تكن المشكلة الرئيسية لمصر في مبدأ التعاون الدفاعي، بل في الدعوة والمكانة التي مُنحت لمصر في هذه المبادرة.

ووفقًا لهذين المصدرين، اللذين تحدث كل منهما إلى نورنيوز على حدة، أعلنت مصر أنها ستنضم إلى الاتفاقية إذا حضرت حفل الإعلان عنها بصفتها إحدى الدول الأربع المؤسسة. إلا أنه، بحسب المسؤولين، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه لن يحضر الحفل إذا حضره عبد الفتاح السيسي. وفي نهاية المطاف، رأى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الحل في الإعلان عن إطار العمل بحضور أردوغان وشهباز الشريف ونفسه، على أن تنضم مصر لاحقًا.

لكن هذه الصيغة لم تكن مقبولة من وجهة نظر القاهرة. بحسب مسؤولين مصريين، كان السيسي يعتقد أن مثل هذا الترتيب لا يتوافق مع مكانة مصر التاريخية؛ لا سيما وأن المبادرة أُعلنت في مكة المكرمة، مع السعودية في مركزها، ودولتين غير عربيتين، هما تركيا وباكستان، كمؤسستين لها، بينما كانت مصر، بوصفها إحدى أهم القوى العربية وأحد اللاعبين التقليديين في معادلات الأمن الإقليمي، خارج الإطار الأولي لهذه المبادرة.

وقد أوضح أحد المسؤولين المطلعين هذا الموقف بعبارة بليغة: إن وثيقة تُعلن في مكة المكرمة، مع السعودية في مركزها، وبحضور دولتين غير عربيتين، بينما مصر ليست من بين المؤسسين، لا يتوافق مع "شرف العرب وحمايتهم".

ويُظهر هذا الموقف من مسؤول مصري مطلع أن القضية بالنسبة للقاهرة لا تقتصر على اختلاف التوقيت أو طريقة الانضمام فحسب، بل تتعلق بكرامة مصر ومكانتها وهيبتها في التسلسل الهرمي السياسي والأمني ​​للعالم العربي.
ويزداد هذا الأمر أهمية عند النظر إلى طبيعة الإطار الحالي. لا تزال الدول الثلاث تعمل على صياغة آليات التنفيذ والتنظيم المؤسسي، وسيتم تحديد العديد من التفاصيل التشغيلية في مرحلة لاحقة. لذا، في الوضع الراهن، تُعدّ قوة الصورة والرسالة السياسية لهذه المبادرة من أهمّ مزاياها.

بإمكان السعودية أن تُقدّم نفسها كمركز للمبادرة؛ وبإمكان تركيا، من خلال وقوفها إلى جانبها، أن تُبرز ثقلها العسكري والجيوسياسي؛ وبإمكان باكستان، بموقعها العسكري المتميز، أن تُضفي على هذا الترتيب مصداقية مختلفة. تحمل الصورة الأولية لهذه الدول الثلاث رسالة سياسية بحد ذاتها: تشكيل ترتيب أمني جديد بين القوى الكبرى في العالم الإسلامي.

لو كانت القاهرة من بين المؤسسين، لكان بإمكانها أن تُقدّم نفسها كإحدى مؤسسي هذا الهيكل الجديد، وأن تستفيد من قدراتها السياسية والإعلامية. أما إذا انضمت إليه لاحقًا، فسيكون الوضع مختلفًا؛ إذ ستصبح مصر دولة انضمت إلى إطار عمل صمّمه وأعلنه آخرون.

هذا الاختلاف ليس بالهين بالنسبة لدولة بمكانة مصر التاريخية في العالم العربي.

من هذا المنظور، يمكن اعتبار سلوك القاهرة بمثابة تفاوض على المكانة، وليس مجرد تفاوض على العضوية. فلو كانت مصر تسعى فقط إلى العضوية، لكان عرض الانضمام في مرحلة لاحقة مقبولاً. لكن إذا كان الأمر يتعلق بمكانة مصر في بنية الأمن المستقبلية، فإن العضوية اللاحقة لا يمكن أن تحمل نفس القيمة السياسية للعضوية المؤسسة.
وتؤكد التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، هذا التمييز. فقد صرّح بأنه يأمل أن تنضم مصر إلى الإطار بعد دراسة جميع الجوانب. ويُظهر هذا الموقف أن الباب لم يُغلق أمام انضمام القاهرة، وأن الخلاف لا يكمن بالضرورة في مبدأ التعاون الدفاعي؛ بل قد يكون جوهر المسألة هو آلية الانضمام ومستوى مكانة مصر.

في الواقع، يمكن اعتبار سلوك القاهرة محاولةً لمنعها من أن تصبح "عضواً رابعاً". ففي السياسة الإقليمية، لا يقتصر الفرق بين "المؤسس" و"المنضم" على الجانب القانوني فحسب، بل يحمل دلالات سياسية ورمزية. بحسب مسؤولين مصريين مطلعين، لا ترغب القاهرة في الغياب عن النظام الأمني ​​الناشئ في المنطقة، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في التخلي عن مكانتها كإحدى الركائز الأساسية للعالم العربي من أجل التواجد فيه. و"الشرف والحماية العربية" في هذا السياق، هي في الواقع التعبير السياسي عن هذا الحساسية.


نورنيوز
الكلمات الدالة
الریاضالقاهرةشرف العرب
تعليقات

الاسم

البريد الالكتروني

تعليقك