نور نيوز : أفادت رويترز في تقرير لها عن وضع الميزانية الأمريكية أن عجز الميزانية الفيدرالية للبلاد بلغ 432 مليار دولار في يوليو/تموز 2026، وهو أعلى رقم مُسجّل لهذا الشهر. تكتسب هذه الأرقام أهمية بالغة عند النظر إلى اتجاه أسعار الفائدة في الولايات المتحدة. ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن تتجاوز تكاليف الفائدة الصافية على الدين الفيدرالي تريليون دولار بحلول عام 2026، وأن تستمر في الارتفاع مع ازدياد عبء الدين وأسعار الفائدة. وقد حذر المكتب من أن ارتفاع تكاليف الفائدة سيحد من قدرة الحكومة على الاستجابة للأزمات غير المتوقعة، أو تعزيز الدفاع الوطني، أو تحفيز الاقتصاد.
وتتناقض هذه الصورة المالية اختلافًا جذريًا مع الرواية الاقتصادية التي طرحها دونالد ترامب عن طفرة اقتصادية استثنائية وإنجازات اقتصادية غير مسبوقة، على الأقل فيما يتعلق بالمالية العامة. وبالطبع، لا يمكن قياس الاقتصاد الأمريكي من خلال ميزانيته فقط؛ فسوق الأسهم عند مستويات قياسية، ولا تزال بعض مؤشرات الإنتاج والتوظيف تشير إلى أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال في أوج ازدهاره. إلا أن هذا التناقض يزيد الأمور تعقيدًا: فالاقتصاد القوي في بعض مؤشرات السوق يواجه عجزًا وديونًا وتكاليف تمويل متزايدة في الميزانية العمومية للحكومة. أكدت وكالة أسوشيتد برس مؤخرًا، في تحليلها لمزاعم ترامب الاقتصادية، أن بعضًا من روايته لا يتوافق مع الحقائق الأكثر تعقيدًا للاقتصاد الأمريكي، وأن رضا الرأي العام عن إدارة الإدارة الاقتصادية منخفض أيضًا.
لكن أهمية هذا الوضع تتضاعف عند مقارنته بالقضية الإيرانية. فالولايات المتحدة لا تواجه الآن أزمة مالية أو تحديًا جيوسياسيًا منفصلًا فحسب، بل تواجه تداخلًا بين الضغوط المالية وحرب مكلفة وغير مؤكدة.
بدأ ترامب الحرب مع إيران انطلاقًا من فكرة أن الضغط العسكري قد يُجبر طهران على قبول أقصى مطالب واشنطن، ما يمنح الرئيس في نهاية المطاف إنجازًا سياسيًا يُروج له، لا سيما عشية انتخابات الكونغرس، ليُقدمه في الداخل. إلا أن استمرار إيران في المقاومة وحفاظها على قدرتها على الرد قد غيّر المعادلة. تُظهر التقارير المنشورة عن الحرب أن التكلفة المباشرة للعمليات الأمريكية بلغت 37.5 مليار دولار بنهاية يوليو، كما ازداد الضغط على موارد ومخزونات الأسلحة الأمريكية. ونقلت رويترز أيضًا قلق البنتاغون بشأن استنزاف الموارد العسكرية وتأثير ذلك على جاهزية القوات. في ظل هذه الظروف، تواجه واشنطن مفارقة استراتيجية: فالأداة العسكرية لم تكن كافية حتى الآن لتحقيق النتيجة السياسية المرجوة، لكن التوسع في استخدامها يتطلب تحمل تكاليف باهظة.
من هذا المنطلق، لا ينبغي تحليل تهديدات ترامب المتكررة بشن حرب أوسع نطاقًا في سياق القوة العسكرية الأمريكية فحسب. السؤال الأهم هو ما إذا كان الاقتصاد الأمريكي وميزانيته قادرين على تحمل حرب لا يمكن إنهاؤها بسرعة وبتكلفة زهيدة.
قد تتمكن الولايات المتحدة من تمويل عملية عسكرية كبرى، لكن المسألة تكمن في تكلفة الفرصة البديلة والاستدامة المالية لهذه الحرب.
إن الحرب الشرسة مع إيران لا تقتصر على القصف والعمليات الجوية فحسب، بل تشمل أيضًا استبدال الصواريخ والذخائر المستهلكة، ونشر القوات، والدفاع عن القواعد الإقليمية، وحماية خطوط الملاحة، ودعم الحلفاء، والتعويض عن أضرار المعدات، ومعالجة تبعات اضطرابات سوق الطاقة، وكلها تُضيف تكاليف إضافية. وإذا طال أمد الصراع، فقد تُصبح هذه التكاليف عبئًا مستمرًا على الميزانية.
من جهة أخرى، قد تُلحق حرب مع إيران ضررًا مباشرًا بالاقتصاد الذي يصفه ترامب بأنه في أفضل حالاته على الإطلاق. قد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة، والضغوط التضخمية، واضطرابات طرق التجارة العالمية إلى زيادة التكاليف المحلية للحرب على المستهلك الأمريكي. كما أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن التضخم في الولايات المتحدة لا يزال أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي، وأن الحرب الإيرانية وأسعار الطاقة تؤثر على ضغوط الأسعار.
لذا، لم يعد السؤال الحقيقي أمام ترامب هو "هل يستطيع إشعال حرب شاملة؟" بل "هل يستطيع إشعال حرب سيدفع ثمنها إلى أجل غير مسمى؟"
هنا يصبح الوضع المالي الأمريكي رادعًا في حسابات الحرب. فعجز شهري قدره 432 مليار دولار، وعجز تراكمي يقارب 1.8 تريليون دولار، وتكاليف فوائد تتجاوز تريليون دولار، وتزايد الإنفاق العسكري، بالإضافة إلى حرب استنزاف، كلها عوامل تحدّ بشدة من هامش المناورة الاستراتيجية لواشنطن وتجعل العديد من الإجراءات مستحيلة.
في مثل هذه الظروف، يظل التهديد بالحرب أداة ضغط سياسي، لكن تحويل هذا التهديد إلى حرب شاملة يتطلب حسابات مختلفة تمامًا. ولعل هذا هو السبب في أن ضعف أمريكا الحقيقي أمام إيران لا يكمن في افتقارها للقوة التدميرية، بل في محدودية قدرتها على تحمل تكاليف صراع قد تحوّله إيران من عملية قصيرة الأجل إلى حرب مكلفة واستنزافية.
وهنا يبرز التناقض الرئيسي: إذا كان الاقتصاد الأمريكي بالفعل في "أفضل حالاته على الإطلاق"، فلماذا تنفق الحكومة الفيدرالية، في الوقت الذي تعاني فيه من إحدى أكبر أزماتها المالية، أموالًا على حرب لم تُحقق بعدُ نتائج سياسية تتناسب مع أهداف واشنطن المعلنة؟ لعل المشكلة بالنسبة لترامب ليست القدرة على بدء حرب، بل القدرة على إنهائها بتكلفة مقبولة؛ وهذان الأمران، في مواجهة إيران، ليسا متماثلين.
نورنيوز