نورنيوز: بينما يواصل دونالد ترامب التذبذب بين الخطاب التهديدي، من "حرب مدمرة" و"قطع رأس إيران" إلى مزاعم إحراز تقدم في المفاوضات، أفادت شبكة CNN، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) طلبت من قواتها تقديم أفكار "إبداعية وغير تقليدية" لمواجهة إيران. ووفقًا لهذه المصادر، كتب ضابط رفيع في القيادة المركزية في رسالة بريد إلكتروني إلى القوات التي تحت إمرته: "نحن بحاجة إلى أفكار".
حاولت وسائل الإعلام الغربية تصوير هذا الإجراء كرمز لديناميكية هيكل القيادة الأمريكية واستخدام قدرات جميع المستويات العسكرية لتصميم حلول مبتكرة. لكن الواقع على أرض الواقع يرسم صورة مختلفة تمامًا. فبدلًا من أن يكون هذا الطلب دليلًا على الثقة بالنفس، فهو انعكاس واضح للمأزق الاستراتيجي الذي تعيشه واشنطن في مواجهة القوة الإيرانية وعجزها عن إيجاد بديل فعّال لتغيير مجريات الأمور. وفي الوقت نفسه، يُظهر استمرار هذا النهج أن وهم الاعتماد على الوسائل العسكرية وحدها لا يزال يُلقي بظلاله على الحسابات الأمريكية، وقد ضاعف من حاجة إيران إلى الاستعداد لمواجهة أي مخططات مغامرة.
اعتراف غير مقصود بالمأزق الاستراتيجي لواشنطن
كانت الحرب التصورية أهم أدوات إدارة ترامب في الأشهر الأخيرة. فمن خلال مزيج من التهديدات والعمليات النفسية والادعاءات بشن هجوم وشيك أو الانسحاب التكتيكي من العمل العسكري، حاول البيت الأبيض الضغط على إيران لقبول مفاوضات تُفضي إلى تلبية المطالب الأمريكية، بما في ذلك تغيير سلوك طهران الاستراتيجي وفتح المسارات التي ترغب بها واشنطن في المنطقة.
إلا أن الواقع على أرض الواقع يروي قصة مختلفة. إن تراجع ترامب المتكرر عن الخطاب التهديدي، واعتراف بعض القادة الأمريكيين بمحدودية فعالية الضربات الجوية، وتقارير الاستخبارات حول انخفاض القدرة التشغيلية لأنظمة الدفاع الأمريكية، والكشف عن الخسائر المالية والبشرية الناجمة عن الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، كلها تُثبت أن الولايات المتحدة عالقة في وضع لا يسمح لها بتحقيق تقدم فعّال ولا بالخروج من الأزمة بكرامة.
في ظل هذه الظروف، فإن طلب القيادة المركزية الأمريكية "أفكارًا إبداعية" ليس دليلًا على المبادرة، بل هو دليل على مدى هذا المأزق الاستراتيجي؛ مأزق أجبر القادة الأمريكيين على البحث عن أي اقتراح لإيجاد مخرج من الأزمة، بينما يعتقد العديد من المحللين العسكريين أن الحل الحقيقي الوحيد هو تقليص الوجود العسكري الأمريكي والانسحاب التدريجي من المنطقة.
استمرار وهم التفوق العسكري وتكرار الأزمة
يُظهر سلوك المسؤولين الأمريكيين، من ترامب إلى بيت هيغسيت، أن النظرة الواقعية للتطورات الإقليمية قد تراجعت لصالح استمرار وهم "الجيش الذي لا يُقهر". إن طلبات تخصيص ميزانيات بمليارات الدولارات لقطاع الدفاع، وزيادة طلبات أنظمة باتريوت، والدعم الواسع لصناعة الأسلحة، بالإضافة إلى كشفها عن نفوذ كارتلات الأسلحة على هيكل صنع القرار الأمريكي، تشير إلى استمرار استراتيجية تسعى إلى تحقيق الأمن من خلال توسيع القوة العسكرية.
في هذا السياق، يمكن اعتبار الطلب الأخير من القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) جزءًا من هذا النهج. بالطبع، ونظرًا للضغوط السياسية الناجمة عن الإخفاقات المتكررة للولايات المتحدة في مواجهة إيران، قد يكون هذا الإجراء محاولة من القادة العسكريين لتخفيف الضغوط الداخلية وحثّهم على تصميم خيارات عملياتية جديدة؛ وهو جهد ذو طابع نفسي ودعائي أكثر منه قائم على حقائق الميدان.
تهديد يتجاوز إيران؛ مسؤولية المجتمع الدولي
بغض النظر عن الأهداف المعلنة أو الخفية لهذا الطلب، فإن جوهر القصة يشير إلى استمرار أزمة متجذرة في سياسات الهيمنة والنهج الأحادي للولايات المتحدة والنظام الصهيوني. سياسات لم تستهدف الأمن الإقليمي فحسب، بل عرّضت الاقتصاد العالمي واستقرار النظام الدولي للخطر أيضاً.
من هذا المنطلق، لا يمكن للدول والجهات الفاعلة التي تُقدّم نفسها كمدافعة عن الدبلوماسية والوساطة وخفض التصعيد أن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه التحركات. فمن المستحيل الحديث عن الحوار والاستقرار مع التزام الصمت إزاء المخططات العسكرية والإجراءات التي تُثير التوتر من جانب الولايات المتحدة. وعلى وجه الخصوص، لا يُمكن لبعض الدول العربية في المنطقة أن تدّعي دعم الحلول الدبلوماسية، ثم تلتزم الصمت إزاء المخططات العسكرية وجهود الولايات المتحدة للضغط على إيران وفرض حصار بحري عليها، أو حتى أن تتصرف في بعض الحالات ضمن الإطار نفسه.
هرمز: معادلة تحددها أمن إيران
بالتوازي مع هذه التطورات، تتقدم المفاوضات والاتفاقيات بين إيران وسلطنة عمان بشأن إدارة مضيق هرمز، ويعمل الجانبان، انطلاقاً من فهمهما المشترك لأهمية أمن الخليج الفارسي والاقتصاد العالمي، على إيجاد آلية مستدامة. مع ذلك، لن يعني هذا المسار تنازل إيران عن حقها في الدفاع المشروع.
طالما استمرت التهديدات الأمنية ضد إيران، تحتفظ طهران بحقها في اتخاذ التدابير اللازمة لحماية أمنها القومي، استناداً إلى مبادئ القانون الدولي. من هذا المنطلق، سيخضع أي اتفاق تنفيذي بشأن إدارة مضيق هرمز لتحقيق الأمن الكامل والقضاء على التهديدات التي تواجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وبناءً على ذلك، لا يُعتبر طلب القيادة المركزية الأمريكية الأخير "للأفكار الإبداعية" إجراءً إدارياً عادياً، بل جزءاً من مسار قد يؤدي إلى تصعيد التوترات. لذا، سيُقابل أي مخطط جديد ضد إيران برد متناسب وحاسم يستند إلى حقوق الجمهورية الإسلامية المشروعة في الدفاع عن نفسها. استجابة تعطي الأولوية للحفاظ على أمن إيران واستقرار المنطقة على المدى الطويل.
نورنيوز