معرف الأخبار : 333785
تاريخ الإفراج : 7/28/2026 4:02:44 PM
الكونغرس الأمريكي: فك شفرة خطة الحرب المتسترة بالقانون

الكونغرس الأمريكي: فك شفرة خطة الحرب المتسترة بالقانون

تُظهر القرارات الأخيرة للكونغرس الأمريكي، بدءًا من ميزانية عسكرية غير مسبوقة وصولًا إلى تغيير اسم "وزارة الدفاع" إلى "وزارة الحرب"، صورةً واضحةً لهيمنة نزعة الحرب على بنية السلطة في واشنطن؛ وهو نهجٌ جعل ضرورة تعزيز الردع والأمن الداخلي ونظامٍ متعدد الأطراف أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

لا تُعدّ التطورات الأخيرة في الكونغرس الأمريكي مجرد سلسلة من القرارات التشريعية، بل تعكس التوجه الاستراتيجي للبنية السياسية الأمريكية نحو الأمن العالمي. إن الموافقة على مشروع قانون سياسة الدفاع بميزانية غير مسبوقة تبلغ تريليونًا و150 مليار دولار، وموافقة مجلس النواب على تغيير اسم "وزارة الدفاع" إلى "وزارة الحرب"، والصراع المتزامن على صلاحيات الرئيس في إعلان الحرب، كلها مؤشرات على هيمنة النهج العسكري على السياسة الخارجية الأمريكية. تُتخذ هذه الإجراءات في الوقت الذي يُصر فيه مسؤولو البيت الأبيض، من خلال استمرارهم في استخدام لغة التهديدات والضغوط، على سياساتهم التدخلية المُسببة للأزمات. تكشف هذه التطورات، أكثر من أي وقت مضى، عن الطبيعة المُقوِّضة للأمن في بنية السلطة في الولايات المتحدة، وتُثبت شرعية الدول التي تعتبر تعزيز القدرات الدفاعية الداخلية السبيل الوحيد لمواجهة التهديدات الخارجية.

تُظهر الموافقات الأخيرة أنه، على الرغم من التنافس الظاهر بين الجمهوريين والديمقراطيين، يوجد إجماع واسع النطاق في البنية السياسية الأمريكية حول مسألة توسيع القوة العسكرية والحفاظ على أدوات الحرب. إن زيادة ميزانية الدفاع، والجهود المبذولة لترسيخ صلاحيات الرئيس في شن الحرب، وحتى اقتراح تغيير اسم وزارة الدفاع، كلها تُؤكد أن الحرب ليست خيارًا مؤقتًا، بل هي جزء من الهوية الاستراتيجية للسياسة الأمريكية.

يُشير هذا النهج أيضًا إلى النفوذ الواسع النطاق للمجمع الصناعي العسكري واحتكارات الأسلحة على عمليات صنع القرار الأمريكية. جماعات تسعى لتحقيق مصالحها الاقتصادية من خلال استمرار الأزمات وتوسيع نطاق الصراعات الدولية. في ظل هذه الظروف، تُهمَل المشاكل الداخلية الأمريكية، بما في ذلك وضع ملايين المواطنين المحتاجين إلى مساعدات غذائية، وتبقى الأولوية القصوى هي زيادة الإنفاق العسكري وتطوير آلة الحرب. يكشف هذا الواقع مرة أخرى زيف وعود دونالد ترامب الانتخابية بإنهاء "الحروب التي لا تنتهي" والتركيز على الرفاه الاقتصادي للشعب الأمريكي.

إن زيادة الميزانية العسكرية الأمريكية ليست قرارًا داخليًا فحسب، بل لها تداعيات تتجاوز حدود البلاد. ففي الوقت الذي تضغط فيه واشنطن على أعضاء حلف الناتو لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، تُجبر دول عديدة على تعزيز قدراتها الردعية؛ وهي عملية تُسرّع سباق التسلح.

والأخطر من ذلك، أن العديد من التقارير تشير إلى زيادة استثمارات القوى النووية لتحديث ترساناتها النووية؛ وهو اتجاه يزيد من احتمالية وقوع أزمات استراتيجية، بل وحتى حرب نووية، أكثر من أي وقت مضى. في ظل هذه الظروف، لا تُسهم السياسات الأمريكية في تعزيز الأمن العالمي فحسب، بل تدفع العالم نحو عدم الاستقرار وسباق التسلح والفوضى؛ وهو وضعٌ يُفيد صناعات الأسلحة والجهات المهيمنة أكثر من غيرها.

يُبرز استمرار هذه السياسات مجددًا الحاجة إلى إعادة تعريف النظام الدولي على أساس التعددية. وقد أظهرت تجربة العقود الأخيرة أن النظام القائم على الهيمنة الأمريكية لم يُحقق السلام والأمن، بل جلب الحرب والاحتلال والعقوبات وإرهاب الدولة ودعم الأنظمة المعتدية. كما فشل دعم بعض الدول الغربية لهذه السياسات في تحقيق أمن مستدام لها.

من هذا المنطلق، يُعد تعزيز الآليات الإقليمية، وتوسيع التعاون المستقل بين الدول، وتشكيل نظام جديد قائم على الاحترام المتبادل والسيادة الوطنية والأمن المحلي، ضرورة حتمية لخفض التوترات العالمية ومنع استمرار سياسات الهيمنة الأمريكية.

تحمل التطورات الأخيرة في الكونغرس الأمريكي رسالة واضحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ في مواجهة نظامٍ اتخذ من الحرب والضغط أداةً رئيسيةً لسياسته الخارجية، تكمن الاستراتيجية الفعّالة الوحيدة في تعزيز مقومات القوة الوطنية ودعم الردع الشامل.

أظهرت تجربة حرب الأيام الاثني عشر أن التضافر بين الميدان والدبلوماسية والإعلام والتماسك الاجتماعي والمرونة الاقتصادية هو الركيزة الأساسية لمواجهة التهديدات الخارجية. كما اتضح جلياً أنه في الحروب الحديثة، لا يضمن امتلاك معدات متطورة أو تشكيل تحالفات عسكرية النصر فحسب، بل إن الاستخدام الأمثل للقدرات المحلية، والقدرات غير المتكافئة، والموقع الجيوسياسي، ومكونات الردع، تلعب دوراً حاسماً في تغيير موازين القوى.
وبناءً على ذلك، فإن مواصلة تعزيز الأمن المحلي، وتقوية القدرات الدفاعية، وزيادة المرونة الوطنية، والحفاظ على التقارب على جبهة المقاومة، ليس فقط استجابةً منطقيةً للرسائل الواضحة للكونغرس الأمريكي، بل هو أيضاً الضمانة الأهم لحماية الأمن القومي ومواجهة التهديدات المستقبلية بفعالية.


نورنيوز
تعليقات

الاسم

البريد الالكتروني

تعليقك