معرف الأخبار : 332321
تاريخ الإفراج : 7/21/2026 4:01:33 PM
تكمن مشكلة وقف إطلاق النار هنا تحديدا

تكمن مشكلة وقف إطلاق النار هنا تحديدا

لا تكمن المشكلة الرئيسية بين إيران والولايات المتحدة اليوم في غياب قنوات التفاوض أو الوسطاء، بل في عدم تعريف إيران بعدُ كفاعل مستقل وذو نفوذ في جزء من هيكل صنع القرار الأمريكي. ولا تزال النظرة المتعالية تُلقي بظلالها على جزء من حسابات واشنطن، وهي نظرة تفترض إمكانية تقديم المزيد من التنازلات أو إجبار إيران على التراجع عبر زيادة الضغط.

نورنيوز: لطالما أثار بعض المحللين الأمنيين احتمال أن يكون الهدوء النسبي السائد في المنطقة عقب توقيع مذكرة التفاهم مجرد هدنة تكتيكية، وليس مؤشرًا على تغيير في استراتيجية واشنطن الحربية؛ هدنة قد تُفسح المجال لجولة جديدة من المواجهة مع إيران مع انتهاء بطولات كأس العالم لكرة القدم الكبرى وتراجع الاعتبارات السياسية والإعلامية. ومن وجهة نظر هؤلاء المحللين، قد تكون الحرب منخفضة الحدة وسلسلة الإجراءات العسكرية والأمنية الأمريكية في الأيام الأخيرة مقدمةً لسيناريو أوسع نطاقًا. سيناريو يُناقش اليوم أكثر من أي وقت مضى في الأوساط الاستراتيجية، مع تسارع وتيرة الأزمة وتفاقمها.

وبغض النظر عن مدى قرب هذا التقييم من الواقع، لا يمكن تجاهل حقيقة واحدة: وقف إطلاق النار الذي كان من المفترض أن يُدشّن فترة من خفض التصعيد لم يدم طويلاً، وسرعان ما انهار التفاهم الذي تم التوصل إليه بصعوبة بالغة تحت ضغط انعدام الثقة، والحسابات الأمنية، والتصرفات الاستفزازية من جانب الولايات المتحدة. اليوم، لا يوجد أي بصيص أمل للسلام فحسب، بل إن استدامة وقف إطلاق النار نفسها موضع شك، والمنطقة تتجه مرة أخرى نحو "تصعيد الأزمة".

السؤال الجوهري هو: لماذا حدث هذا؟ لماذا انهار اتفاق كان من الممكن أن يكون نقطة انطلاق لإدارة التوترات والنزاعات بهذه السرعة، وأصبح، كما وصفه ترامب، بلا معنى؟ قد يُعزى الجواب السطحي لهذا السؤال إلى انتهاك بعض بنود الاتفاق أو سلسلة من الحوادث الميدانية، لكن الإجابة الأكثر جوهرية يجب البحث عنها في مكان آخر. إن السبب الجذري للأزمة أعمق من ذلك بكثير. تكمن المشكلة في سوء فهم واشنطن لمكانة إيران في النظام الأمني ​​الإقليمي والعالمي اليوم.

على مدى العقود الأربعة الماضية، استند جزء كبير من السياسة الأمريكية على افتراض إمكانية تغيير سلوك إيران بما يقلل في نهاية المطاف من دورها في المعادلات الاستراتيجية لغرب آسيا، وذلك من خلال مزيج من الضغط الاقتصادي، والعزلة السياسية، والتهديدات العسكرية، وبناء التحالفات الإقليمية. وقد تطورت الأدوات بمرور الوقت، من العقوبات الشاملة وسياسة "الضغط الأقصى" إلى الردع العسكري، والحرب السيبرانية، والعمليات الاستخباراتية، وجهود إنشاء تحالفات أمنية جديدة. ولكن وراء كل هذه السياسات، كان هناك افتراض مشترك: وهو أنه يمكن في نهاية المطاف احتواء إيران، وإضعافها، بل وحتى استبعادها من المعادلات الإقليمية، أو ينبغي ذلك.

وقد شكلت التطورات في السنوات الأخيرة، ولا سيما المواجهات المباشرة، تحديًا جديًا لهذا الافتراض. حتى أن العديد من المراقبين الغربيين يقرون الآن بأن إيران قد نجحت في تنويع قدراتها الردعية وتطويرها، والحفاظ على قدرتها على الرد وتعزيزها، والتمتع بمستوى عالٍ من المرونة في ظل ظروف الضغط الأقصى. انطلاقًا من هذه الحقائق، فإن أي عمل عسكري ضد إيران، خلافًا للعديد من التقديرات الأولية، لم يمر دون رد، بل تسبب في تكاليف باهظة للطرف الآخر.

هذه حقيقة استراتيجية. يدوم وقف إطلاق النار عندما يُقرّ الطرفان بقوة كل منهما واستقلاليته وإرادته. ويصبح السلام مستدامًا أيضًا عندما يُسلّم الطرفان بأن القضاء على الآخر أو تجاهله ليس ممكنًا ولا مُجديًا اقتصاديًا. لهذا السبب، لا تكمن المشكلة الرئيسية اليوم في نقص قنوات التفاوض أو الوسطاء، بل في أن إيران لم تُعرّف بعد وتُعترف بها كفاعل مستقل ودائم وذو نفوذ في جزء من هيكل صنع القرار الأمريكي. ولا تزال النظرة من موقع التفوق تُلقي بظلالها على جزء من حسابات واشنطن؛ وهي نظرة تفترض أنه بزيادة الضغط، يمكن تقديم المزيد من التنازلات، أو في نهاية المطاف، إجبار إيران على التراجع استراتيجيًا.

إلا أن التجربة أثبتت عكس ذلك. قد تتفاوض إيران في أوقات مختلفة حول كيفية إدارة النزاعات أو حتى أطر الاتفاق، لكنها لا تقبل بأي صيغة خارجية تُفرض عليها فيما يتعلق باستقلالها الاستراتيجي وحقوقها الوطنية ودورها الإقليمي. وقد أدى هذا الواقع تحديدًا إلى انهيار أي اتفاق يُبنى على تغيير موازين القوى، بدلًا من قبوله، عند أول اختبار أمني. من هذا المنظور، فإن التفاهم الذي ضعف مؤخرًا وأصبح غير فعال إلى حد كبير، لم يكن ضحية حادثة محددة فحسب، بل ضحية سوء تقدير؛ خطأ افترض إمكانية بناء اتفاق دائم دون قبول الموقف الإيراني الحقيقي، فقط من خلال الضغط.

يُظهر تاريخ العلاقات الدولية أن العديد من العداوات طويلة الأمد تم احتواؤها عندما أقرّت الأطراف بواقع قوة بعضها البعض قبل بناء الثقة. السلام الدائم ليس نتاجًا للتفاؤل، بل هو نتاج للواقعية. أولًا، يجب قبول حقيقة وجود الطرف الآخر ونفوذه وعدم إمكانية القضاء عليه؛ ثم يمكن التفاوض على قواعد التعايش. إذا لم يحدث هذا التحول في "برنامج صنع القرار" في واشنطن، فإن أي وقف لإطلاق النار لن يكون سوى فرصة لإعادة تنظيم الصفوف، وأي اتفاق سيكون مجرد هدنة قصيرة بين أزمتين. في مثل هذه الظروف، حتى لو لم تكن هناك حرب، ستبقى المنطقة في حالة "لا حرب ولا سلام"؛ وهي حالة تقوض، قبل كل شيء، أمن وتنمية جميع الأطراف.

لذا، فإن القضية الرئيسية اليوم ليست نص اتفاقية جديدة، ولا عدد الاجتماعات الدبلوماسية. تكمن المشكلة الأساسية في مكان آخر: هل الولايات المتحدة مستعدة للاعتراف بواقع إيران المستقلة والقوية والمؤثرة في معادلات الأمن الإقليمي والعالمي؟ طالما أن الإجابة على هذا السؤال سلبية، فلن يتحقق سلام دائم، ولن يدوم وقف إطلاق النار، ولن تتوقف دوامة تصاعد الأزمات. الخطوة الأولى لإنهاء هذه الدوامة ليست تغيير خريطة المنطقة، بل تغيير نظرتنا إلى واقعها؛ الواقع المسمى إيران.


نورنيوز
الكلمات الدالة
واشنطنمشکلةالتنازلات
تعليقات

الاسم

البريد الالكتروني

تعليقك