معرف الأخبار : 329890
تاريخ الإفراج : 7/11/2026 4:09:53 PM
هل وضع التفاهم أوزاره أم ستكون بداية دبلوماسية قسرية؟ ما هي خطة واشنطن للعودة إلى المفاوضات؟

هل وضع التفاهم أوزاره أم ستكون بداية دبلوماسية قسرية؟ ما هي خطة واشنطن للعودة إلى المفاوضات؟

يُشير إعلان ترامب عن إنهاء مذكرة التفاهم مع إيران إلى تغيير في استراتيجية واشنطن أكثر من كونه دليلاً على تخلي الولايات المتحدة عن مسار الدبلوماسية. ويُظهر الجمع بين الضغط العسكري والعقوبات الجديدة والحفاظ على قنوات الوساطة أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى التخلي عن المفاوضات، بل إلى إعادة صياغة قواعدها لصالحها.

 نورنيوز: رغم أن تصريح دونالد ترامب بشأن إنهاء مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة قد انعكس في وسائل الإعلام على أنه نهاية للمسار الدبلوماسي، إلا أنه على المستوى الاستراتيجي، لا يُعلن عن نهاية الدبلوماسية، بل يكشف عن تغيير في وظيفتها. ويكمن الخطأ الشائع في اعتبار كل انسحاب من اتفاق دليلاً على التخلي عن المفاوضات؛ بينما في تقاليد السياسة الخارجية الأمريكية، لم تكن المفاوضات غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق توازن قوى مرغوب فيه.

ما حدث بعد النزاعات الأخيرة يعكس تغيراً في "أسلوب ممارسة الضغط"، لا في "الهدف". لا تزال واشنطن تسعى للتأثير على سلوك إيران، لكنها تحاول الآن تحقيق هذا الهدف من خلال مزيج من الضغط العسكري، والعقوبات الاقتصادية، والتهديدات السياسية، والوساطة الإقليمية. بعبارة أخرى، إذا كان يُنظر إلى الاتفاق في الماضي على أنه مقدمة لتخفيف الضغط، فإن الضغط يُعرَّف الآن بأنه مقدمة للعودة إلى اتفاق.

هذا التغيير ليس من فراغ. فالعمليات العسكرية الأمريكية، سواء في حرب الأربعين يوماً أو في الإجراءات التي أعقبت وقف إطلاق النار، لم تُحقق للولايات المتحدة إنجازاً سياسياً، على عكس توقعات مُخططيها. كما لم يتغير هيكل صنع القرار في إيران، ولم تتراجع طهران عن مواقفها المعلنة. من جهة أخرى، سرعان ما اتخذت التداعيات الاقتصادية للأزمة، من ارتفاع أسعار الطاقة إلى المخاوف بشأن أمن طرق نقل النفط، أبعاداً دولية، وزادت من تكلفة استمرار التوتر بالنسبة للعديد من الأطراف.

هذا الواقع يُفسر أيضاً سبب التفعيل المتزامن لشبكة من الوسطاء. إن تحركات قطر وعُمان وباكستان وروسيا، بل وحتى المشاورات الموازية لبعض الدول العربية، لا تُشير إلى اقتراب التوصل إلى اتفاق، بل إلى محاولة لمنع الأزمة من الخروج عن السيطرة. فعندما تتزايد تكلفة الحرب على الجميع، يصبح الحفاظ على قنوات الاتصال ضرورة استراتيجية، لا خيارًا سياسيًا.

في غضون ذلك، ينطوي سلوك واشنطن على تناقض واضح. فمن جهة، يتحدث الرئيس الأمريكي عن انتهاء التفاهم، وفي الوقت نفسه تُفرض عقوبات جديدة على إيران؛ وهو إجراء تعتبره طهران، إلى جانب الهجمات العسكرية، انتهاكًا لالتزامات الولايات المتحدة، ولا سيما المادة التاسعة من مذكرة التفاهم. ومن جهة أخرى، لا تعرقل الحكومة نفسها مسار الوساطة، بل تُنشر تقارير عن إمكانية استمرار الاتصالات غير المباشرة. هذا التناقض ليس وليد الصدفة، بل هو جزء من نمط "الدبلوماسية القسرية"؛ وهو نموذج يُستخدم فيه الضغط والتفاوض معًا لإعادة الطرف الآخر إلى طاولة المفاوضات بموقف مختلف.
... في المقابل، يُعدّ موقف إيران المعلن جديرًا بالملاحظة. فقد أكّد السيد عباس عراقجي، مُشدّدًا على التزام إيران حتى الآن بتعهداتها، أن السبيل الوحيد للمضي قدمًا هو التزام الطرفين المتبادل بأحكام مذكرة التفاهم. تكمن أهمية هذا الموقف في أن طهران، خلافًا لرواية نهاية الدبلوماسية، لا ترفض مبدأ الحوار، بل تربط صلاحية أي حوار مستقبلي بالالتزام بالتعهدات. بعبارة أخرى، تحوّل محور الصراع من "مبدأ التفاوض" إلى "صلاحية التعهدات".

من هذا المنظور، يُعدّ أهم تطور بعد النزاعات الأخيرة هو تغيير جدول أعمال المفاوضات المستقبلية. فإذا كان التركيز في الماضي مُنصبًّا على القضايا التقنية والنووية، فإن القضية الأكثر جوهرية الآن هي كيفية ضمان تنفيذ التعهدات ومنع تكرار دوامة الضغط والاتفاق وخرق الاتفاق. وبدون إجابة على هذا السؤال، لن يُفضي استئناف المفاوضات بالضرورة إلى تفاهم دائم.

لعلّ الوصف الأدق للوضع الراهن هو أن الولايات المتحدة قد تحوّلت من "الدبلوماسية التوافقية" إلى "الدبلوماسية القسرية"، وهي استراتيجية لا تُعدّ فيها العقوبات والتهديدات والقوة العسكرية بديلاً عن التفاوض، بل أدواتٍ لتوجيهه. والسؤال المحوري للمستقبل ليس ما إذا كان الطرفان سيعيدان التفاوض، بل هل لا يزال من الممكن، في ظل هذا النموذج، ابتكار آليات عملية تُلزم الولايات المتحدة بالوفاء بالتزاماتها والتوصل إلى اتفاق دائم؟


نورنيوز
تعليقات

الاسم

البريد الالكتروني

تعليقك