معرف الأخبار : 323129
تاريخ الإفراج : 6/10/2026 4:34:54 PM
ايران تفتح أبوابها لعقد الاتفاقات وتغلقها أمام الإستسلام

ايران تفتح أبوابها لعقد الاتفاقات وتغلقها أمام الإستسلام

عادةً ما تصف الحكومات والقوى الكبرى سياساتها بعبارات جذابة مثل السلام والاستقرار والأمن والديمقراطية والتفاوض والاتفاق، ولكن وراء هذه المفاهيم تكمن استراتيجيات مختلفة قد لا تتوافق أحيانًا مع المعنى الظاهر لهذه الكلمات. أحد أهم الفروقات التي يجب مراعاتها لفهم سلوك الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران هو الفرق بين "استراتيجية عقد الاتفاقات" و"استراتيجية الاستسلام".

نورنيوز -  عند تحليل الصراعات الدولية، يكمن الخطأ الأكبر أحيانًا في فهم أهداف الأطراف كما تُعلنها، وليس كما تُطبقها على أرض الواقع. عادةً ما تصف الحكومات والقوى الكبرى سياساتها بعبارات جذابة مثل السلام والاستقرار والأمن والديمقراطية والتفاوض والاتفاق، ولكن وراء هذه المفاهيم تكمن استراتيجيات مختلفة قد لا تتوافق أحيانًا مع المعنى الظاهر لهذه الكلمات. من أهم الفروقات التي يجب مراعاتها لفهم سلوك الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران، الفرق بين "استراتيجية إبرام الاتفاق" و"استراتيجية الاستسلام".

في استراتيجية إبرام الاتفاق، يتمثل الهدف الرئيسي في الوصول إلى نقطة توازن بين المصالح المتضاربة. يعترف الطرفان ببعضهما، ويمنحان حدًا أدنى من الشرعية لمصالحهما الحيوية، ويسعيان إلى تحقيق استقرار من خلال التفاوض والمقايضات والتنازلات المتبادلة. في هذا النموذج، يُعد الضغط وسيلة لتعزيز الموقف التفاوضي، لا وسيلة لإضعاف إرادة الطرف الآخر.

أما استراتيجية الاستسلام، فلها منطق مختلف تمامًا. في هذه الاستراتيجية، لا يُعد التفاوض غايةً، بل مجرد وسيلة لتحقيق غاية أسمى. الهدف الرئيسي هو أن يستنتج الطرف الآخر أنه لم يعد يملك القوة أو الإرادة لمواصلة المقاومة، ويُجبر على قبول شروط الطرف الأقوى. هنا أيضًا، يكون الاتفاق، إن وُجد، أشبه بوثيقة قبول للشروط المفروضة منه نتيجة لتسوية متوازنة.

لتمييز الفرق بين هاتين الاستراتيجيتين، يجب الانتباه إلى العلاقة بين الضغط والتنازلات. ففي عملية إبرام الاتفاق، يُفترض أن يُقلل كل تنازل متبادل من حدة الخلافات ويُمهد الطريق لخفض التوتر. أما في عملية الاستسلام، فعادةً ما يُفضي كل تنازل إلى طرح مطلب جديد. في مثل هذه الظروف، لا يكمن الهدف في حل النزاع، بل في ترجيح كفة الميزان تدريجيًا لصالح الطرف المُمارس للضغط.

إذا ما تفحصنا سلوك الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران خلال العام الماضي على الأقل، فسنجد أدلة وفيرة تُشير إلى أن المنطق الذي يحكم جزءًا كبيرًا من هذه السياسات يميل إلى الاستسلام أكثر من الاتفاق. لم تكن المسألة مجرد حالة محددة كالبرنامج النووي، بل اتسع نطاق المطالب باستمرار، من الملف النووي إلى الصواريخ، والقضايا الإقليمية، والدفاعية، وحتى بعض مكونات السياسة الداخلية. يُعد هذا التوسع المستمر في المطالب أحد أبرز سمات استراتيجيات الاستسلام في أدبيات الأمن القومي.

لكن السؤال الأهم هو: ما الهدف الأساسي من الضغط في مثل هذه الاستراتيجية؟ يتصور الكثيرون أن العقوبات تهدف إلى تقليص إيرادات الدولة، والضربات العسكرية إلى تدمير البنية التحتية، والعمليات الإعلامية إلى التأثير على الرأي العام. هذه الادعاءات صحيحة بلا شك، لكنها لا تفسر إلا جزءًا من الحقيقة. ففي جوهرها، تخدم هذه الأدوات هدفًا واحدًا: إضعاف الإرادة.

منذ النظريات الكلاسيكية للحرب وحتى الدراسات الأمنية الحديثة، جرى التأكيد دائمًا على مبدأ أساسي: الحرب هي معركة إرادات قبل أن تكون معركة عتاد. فالقوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية لا تُجدي نفعًا إلا بوجود إرادة لاستخدامها. ولهذا السبب، لا تنتهي حروب كثيرة عندما يعجز أحد الطرفين عن القتال، بل عندما يفقد الطرف الآخر إرادته في القتال.

في هذا السياق، يتمثل الهدف الرئيسي للضغط المشترك على دولة ما في خلق حالة من الجمود. فالعقوبات لا تهدف فقط إلى تقليص الموارد المالية، بل إلى غرس انطباع بانعدام أي أمل في التحسن. والعمليات النفسية لا تقتصر على توليد الأخبار، بل تهدف إلى تقويض ثقة الجمهور ونشر اليأس الاجتماعي. كما أن الهجمات العسكرية لا تهدف فقط إلى التدمير المادي؛ صُممت هذه الأساليب لإيصال رسالة ضعف وإثارة الشكوك حول القدرة على المقاومة.

بعبارة أخرى، ما يُشار إليه اليوم في أدبيات الأمن بـ"الحرب المعرفية" هو في الواقع شكل متطور من استراتيجية الاستسلام نفسها. في الحرب المعرفية، لا تُمثل الأرض أو حتى البنية التحتية الاقتصادية ساحة المعركة الرئيسية، بل العقول البشرية. يسعى العدو إلى تغيير الحسابات الذهنية للمجتمع قبل تدمير القدرات المادية للدولة. بمجرد أن تُؤمن أمة ما بأن المقاومة عبثية، يكون جزء كبير من أهداف المعتدي الاستراتيجية قد تحقق، حتى لو كانت تلك الدولة لا تزال تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وبشرية كبيرة.

من هذا المنظور، لا ينبغي البحث عن المعركة الرئيسية بين إيران وأعدائها في مجال الصواريخ أو المنشآت أو العقوبات فحسب. إن أهم ساحة معركة في هذه المعركة هي مجال التصورات والأمل الاجتماعي والثقة الوطنية والإرادة الجماعية. يجب فهم كل ضربة اقتصادية، وكل عملية نفسية، وكل عقوبة جديدة، وكل عمل عسكري في إطار هذا الهدف الأسمى؛ هدف يسعى إلى جعل تكلفة المقاومة تبدو أكبر في أذهان المجتمع من فوائدها. لهذا السبب، أصبح الحفاظ على الإرادة الوطنية أحد أهم مكونات الأمن القومي في عالمنا المعاصر. فالدولة التي تستطيع الحفاظ على ثقتها الجماعية بنفسها، وتماسكها الاجتماعي، وإيمانها بإمكانية تجاوز الأزمات، ستكون قادرة على الصمود وإعادة البناء، حتى في أصعب الظروف. أما الدولة التي تفقد إرادتها، فستكون عاجزة عن ذلك.


نورنيوز/وكالات
تعليقات

الاسم

البريد الالكتروني

تعليقك