معرف الأخبار : 318522
تاريخ الإفراج : 5/19/2026 3:31:11 PM
ثقل الصين في استراتيجيات إيران الجديدة

ثقل الصين في استراتيجيات إيران الجديدة

يتضح مغزى تعيين قاليباف ممثلاً خاصاً لإيران لشؤون الصين: فالعالم في المستقبل سيكون أقل تركيزاً على الغرب وأكثر تركيزاً على آسيا. فالنمو الاقتصادي والتكنولوجيا والطاقة والممرات، بل وحتى جزء من معادلات الأمن العالمي، تتجه جميعها نحو آسيا، والصين هي مركز ثقل هذا التحول التاريخي. لذا، تسعى طهران إلى ترسيخ مكانتها في النظام الآسيوي الناشئ بشكل أسرع وأعمق.

نور نيوز: يُعدّ تعيين محمد باقر قاليباف "ممثلاً خاصاً للجمهورية الإسلامية الإيرانية لشؤون الصين" من أهم الأحداث والقرارات السياسية في الآونة الأخيرة. والمؤكد أن هذا التعيين لا يمكن اعتباره خطوة دبلوماسية بحتة، بل يحمل دلالات وتداعيات استراتيجية واضحة.

في السياسة الخارجية، عندما تُسند دولة علاقة حساسة وطويلة الأمد إلى شخص على مستوى رئيس البرلمان وعضو في أعلى دائرة لصنع القرار، فإنها بذلك تُعزز في الواقع "الثقل السياسي والاستراتيجي" لتلك العلاقة. يحدث هذا عادةً عندما تتوصل دولة ما إلى استنتاج مفاده أن العلاقة المعنية لم تعد مجرد علاقة اقتصادية أو تكتيكية، بل أصبحت جزءًا من البنية المستقبلية لأمنها القومي ونظامها الجيوسياسي. وإيران تقف الآن عند هذه النقطة تحديدًا. ففي السنوات السابقة، كانت العلاقة بين طهران وبكين تُعرَّف أساسًا من منظور التجارة والطاقة والالتفاف على ضغوط العقوبات. لكن يبدو الآن أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تنقل هذه العلاقة من مستوى "التعاون الأداتي" إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية متعددة المستويات". ويُعدّ تكليف قاليباف بهذه المهمة مؤشرًا على هذا التغيير. فقوليباف ليس مجرد مسؤول تنفيذي، بل يُعتبر اليوم جزءًا من الركيزة الأساسية لنظام صنع القرار في إيران، ووجوده في هذا المنصب يعني أن الصين لم تعد مجرد شأن يخص وزارة الخارجية أو الحكومة، بل أصبحت قضية سيادية شاملة لجميع القطاعات. ويجب تحليل هذا التعيين في سياق عدة تطورات رئيسية، منها:

1) التغير التدريجي في ميزان القوى العالمي. توصلت إيران إلى قناعة بأن العالم في المستقبل سيكون أقل تركيزًا على الغرب وأكثر تركيزًا على آسيا. فالنمو الاقتصادي والتكنولوجيا والطاقة والممرات، بل وحتى جزء من معادلات الأمن العالمي، تتجه جميعها نحو آسيا، والصين هي مركز ثقل هذا التحول التاريخي. لذا، تسعى طهران إلى ترسيخ مكانتها في النظام الآسيوي الناشئ بشكل أسرع وأعمق.

2) تراجع تجربة المواجهة مع الغرب: توصل جزء كبير من الطبقة الحاكمة الإيرانية إلى قناعة مفادها أنه حتى في حال حدوث فترات من خفض التصعيد مع الغرب، فإن بنية انعدام الثقة بين طهران وواشنطن ستبقى قائمة. ونتيجة لذلك، تسعى إيران إلى بناء دعائم أكثر استقرارًا لاقتصادها وسياستها الخارجية؛ دعائم أقل تأثرًا بالانتخابات الأمريكية أو تقلبات العلاقات مع أوروبا. وفي هذه المعادلة، تُعد الصين الخيار الأهم؛ فهي دولة تمتلك القوة الاقتصادية، واحتياجات الطاقة، والنفوذ الجيوسياسي، والإرادة لمنافسة الولايات المتحدة على المدى البعيد.
 

ثالثًا، مسألة "الثقل الدبلوماسي". في الدبلوماسية، لا يقتصر الأمر على مضمون العلاقات فحسب، بل إن مستوى المسؤولين المعنيين بالقضية يحمل رسالةً بالغة الأهمية. فعندما تنتقل قضية الصين من مستوى الخبراء والمستوى الحكومي البحت إلى مستوى كبار المسؤولين في النظام، تُرسل طهران عدة رسائل متزامنة: فهي تُخبر بكين بأن العلاقة معها أولوية؛ وتُخبر الغرب بأن إيران لديها بدائل؛ كما تُخبر الداخل بأن المحور الشرقي لم يعد مجرد شعار قصير الأجل، بل أصبح استراتيجية.

من وجهة النظر الصينية، يُعد هذا التطور ذا دلالة بالغة. فبكين عادةً ما تتصرف بحذر وهدوء، وتعتمد في سياستها الخارجية على حسابات الربح والخسارة. لا يدخل الصينيون في تحالفات عاطفية ويتجنبون التوتر المباشر؛ ولكن إذا شعروا بأهمية دولة ما في مستقبل آسيا، وفي مسارات الطاقة والعبور، فإنهم سيستثمرون فيها على المدى الطويل. إيران تتبوأ هذا الموقف تحديدًا تجاه الصين: دولة ذات موقع جيوسياسي متميز، وموارد طاقة هائلة، ومنفذ إلى الخليج الفارسي، وارتباط بآسيا الوسطى، وحلقة وصل مهمة في مشاريع الممرات.

مع ذلك، لا يعني هذا التقارب تحالفًا كاملًا أو علاقة خالية من الاحتكاكات. ستسعى الصين دائمًا إلى إرساء توازن بين إيران والدول العربية وإسرائيل، وحتى الولايات المتحدة. وخلافًا لبعض التصورات، فإن بكين ليست مستعدة للدخول في مواجهة مكلفة مع الغرب من أجل أي دولة. لذا، ستكون العلاقة الإيرانية الصينية أقرب إلى "شراكة قائمة على المصالح المشتركة" منها إلى تحالف أيديولوجي أو أمني تقليدي. بالنسبة لجهات فاعلة كالصين أو حتى روسيا، تُعد العلاقات الخارجية في المقام الأول آلية لإدارة المصالح، وليست ميثاق ولاء سياسي.

قد تقف هذه الجهات إلى جانب إيران في قضية ما، وتلتزم الصمت في أخرى، وفي الوقت نفسه تتعاون مع خصوم طهران في قضية مختلفة، دون أن تعتبر هذا السلوك تناقضًا أو خيانة. ففي نظرها، هذا هو الواقع الطبيعي في السياسة الدولية.

لا شك أن بكين تعتبر إيران عنصراً هاماً في معادلة احتواء الضغوط الأمريكية، وأمن الطاقة، وممرات العبور، والتوازن الآسيوي. ومن غير المرجح أن ترحب الصين بانهيار إيران أو عدم استقرارها الشديد، إذ قد يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار منطقة الخليج الفارسي بأكملها ومشاريعها الاقتصادية. ولهذا السبب، حافظت الصين في السنوات الأخيرة على قنوات مفتوحة لدعم الاقتصاد الإيراني، وتعاونت معه بهدوء ولكن بفعالية في بعض المجالات.

ومع كل هذا، يتضح المعنى العام لتعيين قاليباف واتجاهه: إيران تتجه نحو "التأثير الآسيوي الاستراتيجي" لسياستها الخارجية. وهذا لا يعني قطع العلاقات مع الغرب، بل تقليل الاعتماد عليه، وتحويل مركز ثقل السياسة الخارجية نحو الشرق؛ حيث تلعب الصين دور الركيزة الأساسية، وتضطلع روسيا بدور أمني وجيوسياسي، بينما تُصبح دول مثل الهند وآسيا الوسطى، وحتى بعض دول جنوب الخليج الفارسي، روابط مكملة.

وفي الوقت نفسه، يظل دور قاليباف بالغ الأهمية. يُعدّ أحد السياسيين القلائل في إيران الذين يمتلكون خلفية عسكرية وأمنية، وخبرة تنفيذية، وعلاقات مؤسسية واسعة، ومكانة راسخة في هيكل السلطة الرسمية. إنّ إسناد ملف الصين إليه يعني رغبة طهران في نقل العلاقة مع بكين من مرحلة الاتفاقات والتصريحات الرمزية إلى مرحلة "التنفيذ الفعلي"؛ من مشاريع البنية التحتية والمالية إلى التعاون التكنولوجي، وتعاون العبور، وحتى التنسيق الإقليمي. في الواقع، تتجه إيران نحو تعريف الصين ليس فقط كشريك تجاري، بل كأحد ركائز توازنها الاستراتيجي في عالم ما بعد الغرب. لم يعد السؤال الرئيسي للمستقبل هو ما إذا كانت الصين ستكتسب أهمية في السياسة الإيرانية، بل إلى أي مدى ستعتمد طهران وبكين على بعضهما البعض، وما إذا كانت إيران ستتمكن من الحفاظ على توازنها الاستراتيجي واستقلالها في هذا الصدد.


نورنيوز
تعليقات

الاسم

البريد الالكتروني

تعليقك