معرف الأخبار : 317849
تاريخ الإفراج : 5/16/2026 2:44:30 PM
من تايوان إلى هرمز؛ الرسائل الخفية لزيارة بكين

من تايوان إلى هرمز؛ الرسائل الخفية لزيارة بكين

كانت زيارة ترامب إلى الصين أكثر من مجرد لقاء دبلوماسي؛ إنها رمز لتراجع الأحادية الأمريكية وترسيخ دور الصين في النظام متعدد الأقطاب. زيارة كشفت عن استعراض القوة الصينية وفشل الاستراتيجية الأمريكية في واشنطن.

نورنيوز -  جاءت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين ولقاؤه مع شي جين بينغ محاطة بهوامش كثيرة، حيث عكست مواقف الجانبين وأهدافهما وسلوكهما تجاه التطورات العالمية أمراً يتجاوز اللقاء الدبلوماسي المعتاد. هذه الزيارة، إلى جانب الجهود الرامية لإدارة التوترات، تعكس مساراً مهماً في تحولات النظام الدولي؛ مسار يقوم أساسه على المرور التدريجي للعالم من النظام الأحادي الأمريكي نحو بنية متعددة الأطراف. عملية لم تنتج عن تقارب مع واشنطن، بل هي نتيجة سنوات طويلة من صمود الصين أمام النظام المفروض من قبل أمريكا، وفي النهاية إجبار واشنطن على تغيير نبرتها وسلوكها تجاه بكين.
في هذا الإطار، وعلى عكس ادعاءات ترامب حول موافقة الصين على مطالب أمريكا، فإن إعلان الانتهاء النهائي من زيارة بوتين إلى بكين، وكذلك المواقف الرسمية الصينية بشأن مضيق هرمز، وعدم شرعية العدوان على إيران، والتأكيد مرة أخرى على أن قضية تايوان شأن داخلي، كلها أدلة على أن بكين ما زالت متمسكة بخطوطها الحمراء الاستراتيجية.

سلطة الصين؛ ثمرة قول "لا" لأمريكا

أكد ترامب خلال لقائه مع شي جين بينغ قائلاً: «أنت قائد عظيم. لا يحب الشعب أن أقول هذا، لكنني سأقوله على أي حال؛ لأنه الحقيقة!» هذا الخطاب والتعابير التي استخدمها مراراً عن الصين وقائدها، أكثر من كونها دليلاً على نهج تقاربي بين البلدين، تعكس واقعاً مهماً: إنجازات الصين في تنفيذ استراتيجية «قول لا» لأمريكا.
رغم أن الصين بنت سياستها الخارجية على تطوير العلاقات الاقتصادية والتفاعل مع الدول، إلا أنها في الوقت نفسه أولت أهمية كبيرة لتعزيز قدراتها العسكرية والدفاعية الذاتية؛ نهج أدى إلى إنهاء التبعية وتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي لهذا البلد. وإلى جانب ذلك، أظهرت بكين دائماً ردود فعل حازمة تجاه أمريكا عند تحديد خطوطها الحمراء.

ما مهد اليوم لمدح شخص مثل ترامب لشي جين بينغ ليس نهج الخضوع الصيني، بل إصرار هذا البلد على مواجهة التدخلات الخارجية والتركيز على بناء القدرات الداخلية؛ من الحفاظ على مبدأ «صين واحدة» إلى استقلال السياسة الخارجية، وعدم الاكتراث بالضغوط الخارجية، وبناء شبكات عالمية خارج دائرة الأحادية الغربية.
إن النفوذ المتزايد للصين في العالم، وحتى بين الحلفاء التقليديين لأمريكا، يؤكد هذه الحقيقة؛ إلى درجة أن قادة أوروبيين، رغم ادعاءاتهم المتعلقة بالعقوبات والمواجهة، يرون العلاقات مع بكين ضرورة لا مفر منها. زيارات مثل حضور ستارمر وماكرون ومسؤولين أوروبيين آخرين إلى الصين، هي دليل واضح على هذا الواقع.
أظهر سلوك ترامب في بكين مرة أخرى أن بناء القوة الداخلية والخارجية في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية — وليس الارتباط بوعود خارجية — هو الطريق ليصبح قوة مؤثرة في النظام العالمي. لذلك، لم يظهر في هذه الزيارة أي سلوك مهين من ترامب تجاه حلفائه الغربيين، واضطر إلى مدح الصين وقادتها.

بكين في صورة قوة معادلة لأمريكا

رغم أن شي جين بينغ حاول إدارة التوترات بتعابير مثل «إقامة علاقة بناءة ومستقرة استراتيجياً بين الصين وأمريكا ليست مجرد شعار» و«يجب أن يأتي نهضة الصين إلى جانب شعار "اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"»، إلا أن سلوك بكين خلال هذه الزيارة حمل رسائل أهم.
سعت الصين إلى تقديم نفسها ليس كلاعب تابع، بل كقوة معادلة لأمريكا، وأن ترسل إلى العالم رسالة مفادها أن بكين لم تعد لاعباً هامشياً، بل هي إحدى الركائز الأساسية للنظام العالمي المقبل.
في الوقت نفسه، أوضحت الصين مرة أخرى خطوطها الحمراء غير القابلة للتغيير؛ من تحذيرات شي الصريحة بشأن تايوان إلى إعلان زيارة بوتين الرسمية إلى بكين، والمواقف الحازمة لهذا البلد تجاه إيران وتطورات غرب آسيا. مجمل هذه الإجراءات يشكل مؤشراً على الاستراتيجية الكبرى للصين لترسيخ النظام متعدد الأطراف العالمي الجديد.

ترامب؛ رئيس يعاني أزمات داخلية وفشلاً خارجياً

من الجانب الآخر، عكست سلوكيات ترامب واقعاً مختلفاً؛ وهو أنه لم يذهب إلى بكين في موقع قائد لا منازع له للنظام الأحادي العالمي، بل كرئيس يعاني أزمات داخلية وإخفاقات خارجية.
كان ترامب يسعى أكثر من أي شيء آخر إلى عرض > (إنجازاته الاقتصادية) من أجل احتواء جزء من الأزمة الاقتصادية الأمريكية بعد الأخطاء الاستراتيجية الناتجة عن الحرب ضد إيران من جهة، وتغطية فشله الثقيل في ملفات مثل أوكرانيا وغزة وحرب رمضان من جهة أخرى.
جاء إصراره على اصطحاب «أكبر وفد اقتصادي في العالم» المكون من 30 من قادة الأعمال البارزين، في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى أزمة شرعية شعبية، وتتصاعد فيه الضغوط الداخلية، خاصة في الكونغرس، بسبب تداعيات سياساته الحربية الاقتصادية.
هذا السلوك يشبه كثيراً الزيارات الأخيرة للمسؤولين الأوروبيين إلى الصين؛ زيارات هدفها الاستفادة من القدرات الاقتصادية لبكين لتخفيف الأزمات الداخلية واحتواء السخط الاجتماعي.

مضيق هرمز؛ الحقائق الميدانية في مواجهة الدعاية الأمريكية

ادعى ترامب بعد لقائه مع شي جين بينغ أن الرئيس الصيني يرغب في التوصل إلى اتفاق بشأن إيران وبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، بل إنه زعم أن بكين لن تقدم أسلحة إلى إيران وستكتفي بشراء النفط فقط. كما ادعى روبيو، وزير خارجية أمريكا، أن الصين تعارض عسكرة مضيق هرمز وفرض رسوم على هذا الممر.

ومع ذلك، فإن هذه الدعايات لا تتطابق كثيراً مع الحقائق الميدانية والمواقف الرسمية الصينية.

أولاً، أظهرت إيران خلال السنوات الأخيرة أنها تمتلك قدرات دفاعية وعسكرية محلية الصنع، وقد أثبتت ذلك أيضاً في حرب رمضان. لذلك، فإن علاقات طهران وبكين تُعرَّف أساساً على قاعدة التعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي والأمني والإقليمي في إطار الوثيقة الاستراتيجية لمدة 25 عاماً، وادعاءات ترامب في هذا المجال تفتقر إلى أي سند حقيقي.

من جهة أخرى، أدانت الصين مرة أخرى في بيانها الرسمي العدوان العسكري الأمريكي والصهيوني ضد إيران، ووصفته بأنه عمل غير قانوني. كما أكدت وزارة الخارجية الصينية على ضرورة إنهاء الاشتباك العسكري في أسرع وقت ممكن؛ لأن مثل هذه الحرب أصلاً لم يكن ينبغي أن تحدث، ولا يوجد أي مبرر لاستمرارها.

وعلى الرغم من أن بكين تؤكد على بقاء مضيق هرمز مفتوحاً بناءً على اعتباراتها الاقتصادية وعلاقاتها مع الدول العربية، إلا أنها دائماً ما أكدت على مشروعية مواقف إيران وعلى عدم قانونية العدوان الأمريكي والصهيوني، وترى نفسها في «الجانب الصحيح من التاريخ». وهذا الموقف جعل الصين حتى الآن واحدة من أبرز المستفيدين من أمن الملاحة في مضيق هرمز.

التقارب بين طهران وبكين؛ أبعد من ضغوط واشنطن

إن استراتيجية الصين تجاه إيران عميقة وراسخة إلى درجة أنه حتى خلال زيارة ترامب إلى بكين، لم يُدرج موضوع فرض عقوبات نفطية على إيران أو وقف شراء النفط من طهران أصلاً على جدول أعمال المفاوضات. وهذا يظهر أن بكين غير مستعدة للعب في ملعب الضغط الأقصى الأمريكي ضد إيران.

يستمد هذا النهج جذوره من النفوذ الإقليمي والدولي لإيران ومكانتها في النظام الإقليمي والعالمي الجديد. لقد تقدم التقارب بين طهران وبكين إلى حد أنه، وبالتوازي مع زيارة ترامب، أيدت الصين في اجتماعات بريكس وشنغهاي مواقف إيران، وأكدت على ضرورة وضع حد للسياسات التهديدية الأمريكية تجاه طهران.


نورنيوز
تعليقات

الاسم

البريد الالكتروني

تعليقك