نور نيوز: تصدّرت الإمارات عناوين الأخبار مجدداً في الأيام الأخيرة، ليس لأسباب اقتصادية أو دور إقليمي بنّاء، بل بأسلوبٍ يُناقض مبدأ حسن الجوار، ويكشف، قبل كل شيء، عن مفهوم التبعية وسوء تقدير حكام البلاد.
ووفقاً لتقارير وأخبار نُشرت نقلاً عن مسؤولين إماراتيين، فقد تزايدت الادعاءات حول التهديدات العسكرية الإيرانية ضد الإمارات، فضلاً عن ميلها نحو الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لمواجهة هذه التهديدات المزعومة، بما في ذلك الادعاء بشن هجوم عسكري على الفجيرة وقطاعات البتروكيماويات الإماراتية. إن هذا النهج الإعلامي والدعاية، بدلاً من أن يعكس القوة الفاعلة الحقيقية للبلاد، متجذر في أزمات داخلية وسوء تقدير مستمر للوضع على الساحة الأمريكية الصهيونية للحفاظ على قوة هشة؛ قوة لن تُسهم في تحسين السلام الإقليمي فحسب، بل ستزيد من هشاشة الوضع، وستُكبّد الإمارات بلا شك تكاليف باهظة، وربما لا يمكن إصلاحها. خاصةً وأن الولايات المتحدة، من جهة، أظهرت أنها ليست شريكاً يُعتمد عليه، ومن جهة أخرى، أكدت طهران أن صبرها الاستراتيجي وضبط النفس قد انتهى، وأن أي تهديد سيُقابل بأشد الأساليب وأكثرها صرامة.
تزامن التوتر الخارجي مع الانقسامات الداخلية:
ازداد تصعيد الإمارات للتوتر في المنطقة، من خلال مزيج من التهديدات والاستعراضات الواضحة للقوة، في الآونة الأخيرة، في حين أن تزامن ذلك مع بعض التطورات الداخلية في البلاد يستدعي تأملاً جاداً. في موقفٍ غير مسبوق يحمل دلالاتٍ خاصة في الثقافة السياسية والأدبيات القانونية، ويشير إلى أزمةٍ عميقة الجذور وجريحٍ لا يمكن إخفاؤه، كتب محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، في رسالةٍ على شبكة التواصل الاجتماعي "X"، مؤكداً على مفهوم المسؤولية: "المسؤولية أمانة، وأي مسؤولٍ لا يفكر إلا في نجاحه الشخصي أو لا يسعى لنجاح الآخرين في الدولة ليس أميناً حقيقياً".
تعكس هذه الكلمات، التي تحمل في طياتها دلالات تحذيرية من التباعد، بل وحتى التفكك، تحولاتٍ جوهرية في بنية الحكم وسيادة دولة الإمارات العربية المتحدة؛ تحولاتٌ متجذرة في خلافاتٍ قديمة، وتداعيات التطورات الأخيرة في المنطقة، والفجوة بين النخب وصناع القرار حول كيفية إدارة شؤون الدولة.
... في ظل الأزمة الداخلية التي تعصف بدولة الإمارات، ليس من المستبعد أن تسعى الدولة إلى صرف انتباه الرأي العام عن الوضع الداخلي الفوضوي ومنع الانهيار الداخلي عبر خلق أعداء وهميين واتخاذ إجراءات مثل الانسحاب من منظمة أوبك، وإعادة إشعال أزمة في اليمن، وخلق توتر مع السعودية؛ إلا أن التجربة أثبتت أن الهياكل غير المتماسكة التي تفتقر إلى الدعم الشعبي تتجه نحو الانهيار في ظل تصاعد التوتر.
خطأ استراتيجي متكرر؛ الاعتماد على جهات فاعلة غير موثوقة
ومن الجدير بالذكر أيضاً تزامن تصعيد الإمارات لسلوكها السلبي في المنطقة مع ادعاء ترامب بوجود "مرافقة إنسانية" في مضيق هرمز، والسلوك غير العقلاني والمثير للأزمة المتمثل في إعادة فتح الممر عبر هذا المضيق، والذي قوبل برد حاسم من إيران. يبدو أن قادة الإمارات لم يتعظوا من خيانة أمريكا للدول العربية، إذ أعطت الأولوية لإسرائيل وأشعلت فتيل حرب رمضان، وما زالوا يعيشون في وهم الحفاظ على سلطتهم الهشة في عزلة تامة بالاعتماد على أمريكا.
من جهة، قد يكون هذا التوتر المتصاعد ذريعةً للولايات المتحدة والكيان الصهيوني لتحريض الحرب والتحرك العسكري ضد إيران، متجاوزين الكونغرس بادعاء أن ترامب يدعم حليفًا إقليميًا. ومن جهة أخرى، قد يكون غطاءً لسلسلة هزائم ترامب، بتحويل الرأي العام إلى مسرحية مفبركة بعنوان "موقف الإمارات ضد إيران"، وترسيخ الحاجة إلى دعم أمريكا.
يتضح هذا النهج الخاطئ جليًا عندما زعمت شبكة CNN، نقلاً عن مسؤول إماراتي، أن أبوظبي تتوقع أن تشن الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا جديدًا على إيران.
تحالف مكلف مع الكيان الصهيوني: من التعاون الأمني إلى التهديد المشروع
يشير سلوك الإمارات الاستفزازي في المنطقة إلى أنها ما زالت تلعب على أرض الكيان الصهيوني. يُعتبر هذا خيانةً عظمى للمنطقة والعالم الإسلامي، ويُضفي شرعيةً على أي إجراء عقابي من جانب دول المنطقة ضد هذا البلد.
وبينما كانت صحيفة فايننشال تايمز قد أفادت سابقًا بنشر أنظمة صهيونية في الإمارات، زعمت شبكة سي إن إن الأمريكية، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن نظام اعتراض إسرائيلي متمركز في الإمارات شارك في محاولة اعتراض الصواريخ التي استهدفت الفجيرة يوم الاثنين.
ونظرًا لطبيعة الكيان الصهيوني الإرهابية والعدائية تجاه أمن المنطقة بأسرها، فإن أي تعاون من جانب الإمارات وتنازلها عن أراضيها ومجالها الجوي لهذا الكيان يُعدّ عمليًا مشاركةً في لعبته؛ لعبةٌ تجعل من الإمارات هدفًا مشروعًا لكل من يهتم بالأمن الإقليمي وأنصار فلسطين. لذلك، فإن صمت قادة الإمارات إزاء هذه التقارير ليس تنصلاً من المسؤولية، بل هو بمثابة موافقة ضمنية على هذا التعاون؛ تعاونٌ ستكون عواقبه الأمنية موجهةً ضد الإمارات نفسها، ولن يترك مجالًا للشكوى.
العواقب الاستراتيجية للعبة خطيرة على الإمارات والمنطقة
إن الرد على أي تهديد، وفقًا للقانون الدولي، هو حق مشروع وقانوني لإيران. من جهة أخرى، أظهرت حرب رمضان أن طهران سترد بقوة على أي تهديد. ما حدث في منشآت النفط الإماراتية لم يكن خطة مسبقة من إيران، بل كان نتيجة مغامرات الولايات المتحدة المتسببة في الأزمة لفتح الممر عبر مضيق هرمز، وتقع مسؤولية ذلك على عاتق إيران.
يسود إجماع عام في إيران على أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية "ملاذ آمن"، وأن أمنها مبدأ غير قابل للتفاوض. على القراصنة الأمريكيين الذين رهّنوا أمن الملاحة والطاقة العالمي أن يعلموا أن العمليات المعقدة والمتضافرة وغير المتكافئة في أعماق هذا المجال ستغير المعادلة بحيث تتجاوز تكلفة قراراتهم عتبة التسامح.
لقد أظهرت إيران أنها تمتلك القدرة والإرادة لتحقيق هذه المعادلة. بحسب إحصاءات موقع "متتبع تكاليف الحرب الإيرانية"، تجاوزت تكاليف الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران 70 مليار دولار، ووصل سعر خام برنت إلى 120 دولارًا.
يجب على قادة الدول العربية وحلفاء أمريكا أن يتوصلوا إلى فهم عقلاني وواقعي بأن التنافس على النفوذ الأمريكي الصهيوني لم يعد يخدم الأمن. لقد انهار نظام المصالح الأمنية الأمريكية، والسبيل الوحيد أمام دول المنطقة هو إنهاء الوجود الأمريكي، والتقارب مع إيران في إطار الأمن الداخلي، وقبول إدارة إيران الذكية لمضيق هرمز كعنصر أساسي في أمن المنطقة، بل والنظام العالمي.
نورنيوز