نور نيوز: لم تكن التطورات الجيوسياسية الناجمة عن الهجوم المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل أدى هذا الحدث سريعًا إلى إعادة تشكيل موازين القوى على المستويات الاقتصادية والأمنية والمؤسسية في الخليج الفارسي. في هذا السياق، ينبغي تحليل إعلان انسحاب الإمارات من أوبك ليس كقرار فني في مجال الطاقة، بل كإجراء جيواقتصادي هام يهدف إلى إعادة تحديد مكانة الدولة في النظام الإقليمي الانتقالي.
في ظل تصاعد التوترات العسكرية التي زادت من المخاطر الأمنية في الخليج الفارسي، وخاصة في مضيق هرمز، أصبحت مسألة "أمن إمدادات الطاقة" أحد المتغيرات الرئيسية في معادلات القوى. لا يزال مضيق هرمز أحد أهم معوقات الطاقة في العالم، وأي انقطاع فيه يُخلّف آثارًا نفسية وواقعية فورية على سوق النفط العالمي. ومع ذلك، تتمتع الدول التي تمتلك قدرات بديلة لتصدير الطاقة بميزة نسبية في مثل هذه الظروف. في السنوات الأخيرة، سعت الإمارات العربية المتحدة إلى تقليل اعتمادها على هذا المضيق من خلال تطوير بنية تحتية مثل خط أنابيب أبوظبي-الفجيرة؛ وهو إجراء اكتسب الآن دلالة جيوسياسية أقوى في سياق التطورات الجديدة. في هذا السياق، يُنظر إلى الانسحاب من منظمة أوبك كأداة لتعزيز "الاستقلال الاستراتيجي" في صنع سياسات الطاقة. فبينما تُتيح عضوية أوبك مزايا إدارة السوق المنسقة، فإنها تفرض أيضًا قيودًا على مستويات الإنتاج والاستجابة للأزمات. بالنسبة لدولة كالإمارات العربية المتحدة، التي تسعى إلى تعزيز دورها كفاعل نشط في تنظيم سوق الطاقة، فإن التحرر من هذه القيود قد يوفر لها مرونة أكبر في أوقات الأزمات. لا سيما في الحالات التي تؤدي فيها اضطرابات إمدادات النفط إلى ارتفاع الأسعار، فإن القدرة على زيادة الإنتاج بسرعة قد تُصبح رافعة جيواقتصادية مهمة؛ رافعة لا تعمل فقط في السوق، بل أيضًا في التفاعلات السياسية مع الجهات الفاعلة عبر الإقليمية.
... مع ذلك، يُعدّ التنافس الهيكلي والمتزايد بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية أحد أهم جوانب هذا القرار التي تستدعي مزيدًا من الاهتمام؛ وهو تنافس لم يعد مقتصرًا على قطاع الطاقة، بل اتخذ أبعادًا جيوسياسية وميدانية في السنوات الأخيرة. ومن أبرز مظاهر هذا التباين التطورات في اليمن؛ فمع أن البلدين دخلا في تحالف مشترك، إلا أن خلافات استراتيجية برزت تدريجيًا حول كيفية إدارة الميدان، والقوى الوكيلة، والمستقبل السياسي لجنوب اليمن. وقد أدى دعم الإمارات للجهات الفاعلة المحلية في الجنوب، وتركيزها على الموانئ والسواحل، في مقابل رؤية السعودية الأوسع لهيكل السلطة في صنعاء، إلى تباين في الأهداف.
ويعكس هذا التباين الميداني تنافسًا أعمق حول "نموذج النفوذ الإقليمي"، حيث تُشدد السعودية على القيادة الهرمية والإدارة المركزية، بينما تسعى الإمارات إلى بناء شبكة نفوذ اقتصادي وأمني في مواقع استراتيجية بالمنطقة. وفي قطاع الطاقة، تجلّى هذا التنافس أيضًا في النزاع حول حصص الإنتاج ضمن إطار منظمة أوبك+. من هذا المنظور، يُمكن اعتبار انسحاب الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك محاولةً للتحرر من القيود المؤسسية التي فرضتها السعودية بثقلها الكبير؛ وهي خطوة من شأنها أن تُمكّن أبوظبي من وضع سياستها الإنتاجية باستقلالية أكبر، والاضطلاع بدور أكثر فاعلية في السوق عند الضرورة من خلال زيادة المعروض. ورغم أن هذا القرار لا يُعدّ مواجهةً صريحةً مع الرياض، إلا أنه سيؤثر ضمنيًا على ميزان القوى في العالم العربي المُنتج للطاقة.
إضافةً إلى هذه المنافسة الإقليمية، يرتبط بُعدٌ آخر لهذا القرار بالتفاعل مع الولايات المتحدة. ففي وقتٍ بات فيه أمن الطاقة ذا أهميةٍ متزايدةٍ للولايات المتحدة وحلفائها، ستحظى الدول القادرة على لعب دور "المُورّد المستقر والمرن" بمكانةٍ خاصة. وسيُمكّن الانسحاب من أوبك الإمارات من زيادة إنتاجها عند الحاجة، بعيدًا عن القيود المؤسسية، وسيُساعد في تخفيف حدة الصدمات السوقية. هذا الدور، وإن لم يكن بديلًا عن مكانة السعودية كلاعبٍ رئيسي في تنظيم السوق، يُمكن أن يُعزز مكانة الإمارات كلاعبٍ مُكمّلٍ وفعّالٍ في معادلة الطاقة. مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذه التطورات لا تعني إضعافًا جوهريًا لمكانة إيران في معادلة الطاقة. فرغم أن تحرك الإمارات قد يُخفف إلى حد ما من الأثر النفسي للاضطراب في مضيق هرمز، إلا أن الأهمية الهيكلية لهذا الممر المائي لا تزال قائمة. إذ لا يزال جزء كبير من صادرات النفط العالمية يمر عبر هذا الممر، وفي حال حدوث اضطراب خطير، سيواجه سوق الطاقة العالمي صدمات كبيرة. لذا، يُمكن تقييم قدرة الإمارات بشكل أكبر في مجال "إدارة تصور السوق" والحد من المخاطر النسبية، بدلًا من تقييمها كتحول جذري في موازين القوى الجيوسياسية.
يجب تحليل انسحاب الإمارات من منظمة أوبك في ضوء ثلاثة اتجاهات رئيسية: تزايد المخاطر الأمنية في الخليج الفارسي، وتصاعد المنافسة الإقليمية مع السعودية - مع تجليات ملموسة في حالات مثل اليمن - ومحاولة تعزيز مكانتها في التعامل مع الولايات المتحدة. بدلاً من أن تكون هذه الخطوة رد فعل عاطفي أو قصير الأجل، فهي جزء من استراتيجية جيواقتصادية لإعادة تعريف دور دولة الإمارات العربية المتحدة في النظام العالمي المتطور للطاقة، وهو نظام أصبح فيه التحكم في الإمدادات وإدارة المخاطر بنفس أهمية القوة العسكرية في تحديد مكانة الدول.
نورنيوز