نورنيوز: تكافح أوروبا، التي تتضح مؤشرات تراجع مكانتها العالمية يومًا بعد يوم، للخروج من الأزمات الاقتصادية الناجمة عن العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، في حين أن مواقف مسؤولي الاتحاد الأوروبي، إلى جانب الازدواجية غير العقلانية وغير المسؤولة، لا تساهم فقط في حل الأزمات، بل قد تؤدي أيضًا إلى تصعيد الموقف وزيادة الأضرار بعواقب كارثية على القارة.
أحد المحاور المزعومة للأوروبيين هو عودة الوضع في مضيق هرمز إلى ما كان عليه قبل ما يُسمى "العدوان العسكري الأمريكي الصهيوني على إيران". صرحت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في مؤتمر صحفي في لوكسمبورغ، بأن حرية الملاحة غير قابلة للتفاوض، وأن تغيير المواقف بشأن مضيق هرمز يوميًا يُعدّ تصرفًا طائشًا. كما أكدت على ضرورة بقاء المرور عبر الممر المائي مجانيًا. وفي وقت سابق، تحدثت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، عن ضرورة إيجاد حل دائم، مشددةً على أن هذا الحل يجب أن يُفضي إلى "مضيق هرمز حر".
وتُتخذ هذه المواقف تحت ذريعة الدفاع عن حقوق البحر ومبدأ "العبور"، في حين أن إيران ليست طرفًا في اتفاقية قانون البحار لعام 1982، ولا تعتبر نفسها مُلزمة بالتزاماتها، بما في ذلك نظام العبور في المضائق. علاوة على ذلك، شاركت أوروبا مرارًا وتكرارًا، في السنوات الأخيرة وخلال الحرب في أوكرانيا، في مصادرة السفن الروسية، ولم تلتزم حتى بالاتفاقيات المتعلقة بحرية الملاحة. كما لم تتخذ موقفًا رادعًا ضد تحركات الولايات المتحدة في مجال القيود البحرية الإيرانية.
التواطؤ مع المعتدين وازدواجية المعايير
تزعم الدول الأوروبية أنها محبة للسلام وملتزمة بالقانون الدولي، لكن سلوكها العملي لا يتوافق مع هذه المزاعم. فهي لم تكتفِ برفض إدانة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، بل امتنعت أيضاً عن فرض عقوبات على إسرائيل في بعض الحالات.
فعلى سبيل المثال، عارض وزير الخارجية الألماني اقتراح فرض عقوبات أوروبية واسعة النطاق على إسرائيل، واصفاً إياه بأنه "غير مناسب". وفي الوقت نفسه، وافقت الحكومة الألمانية على تصدير أسلحة بقيمة 6.6 مليون يورو إلى إسرائيل خلال الفترة التي تزامنت مع الحرب على إيران؛ وهو إجراء يُعتبر مخالفاً للقوانين المحلية للبلاد التي تحظر تصدير الأسلحة إلى مناطق النزاع.
ورغم تحذيرات بعض الدول الأوروبية وموجة الاحتجاجات العالمية ضد إسرائيل، لا تزال أوروبا في حالة من الدعم أو الصمت؛ في حين تشير التقارير إلى أن الرأي العام في الغرب قد تحول بشكل ملحوظ ضد النظام.
هشاشة موقف أوروبا وتداعياته الاقتصادية
تتحدث أوروبا بنبرة حازمة بشأن مضيق هرمز في ظل وضعها الاقتصادي الهش. أثار ارتفاع أسعار الطاقة في القارة الأوروبية، إلى مستويات غير مسبوقة، مخاوف جدية. وفي هذا الصدد، حذرت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، من احتمال تقنين الغذاء في الدول الأوروبية نتيجةً لانقطاع إمدادات الأسمدة بسبب التوترات الإقليمية.
في ظل هذه الظروف، قد يكون لأي تصعيد للتوترات في منطقة الخليج الفارسي عواقب وخيمة ومباشرة على الاقتصاد الأوروبي. في الوقت نفسه، حذر مسؤولون إيرانيون من أن استخدام قدرات دول المنطقة ضد إيران قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على تدفقات الطاقة في الشرق الأوسط، وهو ما قد يُفاقم أزمة الطاقة في أوروبا.
نهج تفاوضي وسلوكيات متناقضة
في الأيام الأخيرة، شدد بعض المسؤولين الأوروبيين على ضرورة حضور إيران في المفاوضات مع الولايات المتحدة. ودعا وزير الخارجية الألماني إلى إجراء محادثات في إسلام آباد، مؤكدًا على ضرورة دخول إيران في مفاوضات بناءة.
تأتي هذه المطالب في وقت لم تُشر فيه أوروبا إلى انتهاك الولايات المتحدة لالتزاماتها أو هجماتها العسكرية خلال العملية الدبلوماسية، كما التزمت الصمت حيال العقوبات الجديدة المفروضة على إيران. من جهة أخرى، تحدث بعض المسؤولين الأوروبيين عن خيارات عسكرية في المنطقة، ونُشرت تقارير عن استعدادات عسكرية في مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، تُظهر مواقف بعض الدبلوماسيين الأوروبيين أن هذه الدول قد سارت عمليًا على نهج السياسات الأمريكية، ولعبت دورًا داعمًا في الأزمات الأخيرة.
وبشكل عام، تُشير تصرفات أوروبا الأخيرة إلى أن الاتحاد لا يزال عالقًا في تناقض بين مطالبه القانونية وسلوكه السياسي. إن محاولات ممارسة الضغط في صورة عقوبات أو تهديدات أو دبلوماسية أحادية الجانب، في ظل تجاهل الالتزامات المتبادلة، لا تُسهم في حل الأزمات فحسب، بل قد تُكبّد أوروبا والنظام الدولي تكاليف باهظة.
في مثل هذه الظروف، فإن استمرار النهج القائم على الضغط والمعايير المزدوجة، بدلًا من تخفيف التوترات، قد يُؤدي إلى اتساع الفجوات وتفاقم الأزمات؛ وهي مشكلة سيتأثر الأوروبيون أنفسهم بعواقبها أكثر من غيرهم.
نورنيوز