نورنيوز: إن إعلان دونالد ترامب يوم الثلاثاء موعدًا للجولة القادمة من المفاوضات التي تستضيفها باكستان، لا يُعد مؤشرًا على دخول مسار دبلوماسي طبيعي، بل يُشير إلى دخول مرحلة حساسة من "المساومة على حافة الأزمة"؛ حيث يُعيد كلا الجانبين، قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات، تعريف موقفهما في الميدان والرأي العام والمعادلات الإقليمية.
ظاهريًا، تُحاول واشنطن تحديد مساحة التفاوض في إطار "الضغط الأقصى" باستخدام لغة قاسية وتهديدية؛ بدءًا من تقديم ادعاءات أمنية وصولًا إلى التهديد باتخاذ إجراءات ضد البنية التحتية. مع ذلك، يُظهر استمرار قنوات الاتصال غير المباشرة، وتطوير سيناريوهات مثل تمديد وقف إطلاق النار يوم الأربعاء من قِبل وسائل الإعلام الأمريكية، أن هذه التهديدات ليست سوى أداة لتغيير حسابات الطرف الآخر، وليست مقدمةً للحرب. تعكس هذه الازدواجية حقيقةً جوهريةً في السلوك الأمريكي: الرغبة في فرض اتفاق، دون قبول تكاليف حرب واسعة النطاق وغير متوقعة.
من جهة أخرى، اتخذت إيران نهجًا متوازنًا، إذ تمسكت بمبادئها ولم تعرقل مسار الدبلوماسية. ويشير التركيز على عدم التفاوض تحت الضغط، إلى جانب استمرار تبادل الرسائل عبر قنوات وسيطة، إلى جهدٍ لمنع تحول المفاوضات إلى عملية مفروضة. هذا السلوك مفهوم في إطار استراتيجية شاملة: إدارة التوتر من خلال الحفاظ على الخطوط الحمراء وتعزيز القدرة التفاوضية.
في غضون ذلك، أصبح الرأي العام في إيران، الذي يُعد عاملًا حاسمًا وداعمًا فاعلًا لفريق التفاوض، متغيرًا هامًا في المعادلات الراهنة على الساحة السياسية والأمنية. يعكس المناخ الاجتماعي السائد نوعًا من التقارب الوطني حول الدفاع عن الحقوق القانونية والاستعداد لتحمّل تبعاتها. هذا الدعم، عمليًا، يبعث برسالة واضحة للطرف الآخر: المجتمع الإيراني لن يدعم اتفاقًا يفتقر إلى التوازن ويضمن حقوق البلاد. ونتيجةً لذلك، يُعزز هذا العامل موقف إيران التفاوضي بدلًا من تقييده.
في المقابل، يسلك الرأي العام في الولايات المتحدة مسارًا مختلفًا. فقد جعلت التكاليف الاقتصادية المتزايدة، لا سيما في قطاع الطاقة، المجال الداخلي أكثر حساسية للدخول في صراع جديد. بالنسبة لحكومة مُلزمة بإدارة التداعيات الاقتصادية لقراراتها، فإن أي توتر يُفضي إلى عدم استقرار السوق يُمكن أن يُصبح تحديًا سياسيًا. من هذا المنظور، تُصبح التهديدات العسكرية أداةً لتحقيق مكاسب سياسية بدلًا من كونها خيارًا للتنفيذ.
لكن العامل الحاسم الذي يُعقّد المعادلة هو دور إسرائيل. على عكس الولايات المتحدة، التي تُوازن بين تكاليف الحرب وفوائدها، فإن إسرائيل في وضع يُمكنها فيه تحديد استمرار التوتر، بل وحتى توسيع نطاق الصراع، بما يتماشى مع أهدافها الأمنية والاستراتيجية. من جهة، يسعى هذا الفاعل، بتسليط الضوء على التهديد الإيراني، إلى إبقاء مستوى الصراع مرتفعًا، ومن جهة أخرى، يسعى، بالتأثير على حسابات واشنطن، إلى جرّ الولايات المتحدة إلى موقف أكثر تشددًا.
في الواقع، يمكن القول إن أحد العوامل المهمة في تشكيل الخطاب العدائي الأخير في واشنطن هو تأثير هذا المتغير؛ وهو متغير يميل إلى دفع مسار "الضغط المُتحكّم به" نحو "المواجهة الفعلية". مع ذلك، شكّلت القيود الداخلية والاعتبارات الاقتصادية الأمريكية عقبةً جديةً أمام تحقيق هذا السيناريو بالكامل.
نتيجةً لهذه المتغيرات، يتشكل "توازن غير مستقر متعدد المستويات":
إيران، معتمدةً على الدعم الشعبي واستراتيجية المقاومة، تُشدّد على صون حقوقها؛ والولايات المتحدة، مُراعيةً التكاليف الداخلية، تتجنّب الدخول في الحرب؛ وإسرائيل تُحاول ترجيح كفة الميزان لصالح تصعيد التوترات.
ويُمثّل انتهاء وقف إطلاق النار يوم الأربعاء نقطة اختبار في هذا السياق. السيناريو الأرجح هو التوجه نحو إدارة فعّالة للتوتر أو امتداد غير رسمي للوضع الراهن، لكن في الوقت نفسه، ازداد خطر الانزلاق إلى صراع غير مقصود؛ وهو وضع قد لا ينجم عن قرار استراتيجي، بل عن خطأ في التقدير أو حادثة على أرض الواقع.
باختصار، ينبغي النظر إلى إعلان يوم الثلاثاء موعدًا للمفاوضات كجزء من "لعبة إرادات"؛ لعبة يسعى فيها كل طرف إلى ترجيح كفة الميزان لصالحه قبل الدخول في حوار. لكن ما يُميّز موقف إيران هو الجمع بين الدعم الشعبي، والتحديد الواضح للخطوط الحمراء، والإدارة الذكية للتوتر؛ وهي عناصر قادرة على تغيير مسار المفاوضات من عملية مفروضة إلى تفاعل قائم على ميزان قوى حقيقي، حتى في ظل سعي أطراف ثالثة إلى زعزعة هذا الميزان.
نورنيوز