معرف الأخبار : 310085
تاريخ الإفراج : 4/14/2026 10:47:37 AM
لماذا ينجح ويتكوف في طهران ويفشل في كييف؟

لماذا ينجح ويتكوف في طهران ويفشل في كييف؟

د. سماهر الخطيب- في تطور دبلوماسي مفاجئ، نجحت الدبلوماسية في التوصل إلى اتفاق مبدئي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، مما جنّب المنطقة حرباً واسعة النطاق.

ونقلًا عن صحيفة "الجزيرة"، فقد اتفقت واشنطن وطهران على تعليق القتال، على أن يمهّد ذلك لمفاوضات تنهي الحرب نهائياً، مع فتح إيران لمضيق هرمز كاملاً أمام الملاحة، ورغم أن هذا الاتفاق واجه مشاكل وتراجعًا بعد ساعات قليلة فقط، إلا أن مجرد تحقيقه خلال أقل من 24 ساعة يُعد في حد ذاته إنجازًا دبلوماسيًا..في المقابل، تبدو الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب في أوكرانيا وكأنها دخلت في نفق مسدود، وسط اتهامات للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالتعنت وعرقلة أي مساعٍ للسلام، ويمكننا القول هنا أن نجاح المفاوضات في عالم العلاقات الدولية، لا يُقاس بمهارة المبعوثين فقط، بل بطبيعة الصراع ذاته، وهذا ما يمكن أن تكشفه المقارنة بين المسار التفاوضي في طهران حول الملف النووي الإيراني، ومحاولات إنهاء الحرب في كييف.

فبينما أظهرت الدبلوماسية قدرة على تحقيق اختراقات نسبية في الحالة الأولى، تبدو عاجزة حتى الآن عن إنتاج تسوية مستدامة في الثانية.المفاوضات مع إيرانفي خطوة وصفت بالمذهلة، وبعد شهر ونصف من الصراع المتصاعد في الشرق الأوسط، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وقف لإطلاق النار قبل ساعتين فقط من انتهاء المهلة النهائية التي حددها لطهران، وقد لعب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف دوراً محورياً في الوساطة، حيث تم الاتفاق على أن تفتح إيران مضيق هرمز للملاحة لمدة أسبوعين كبادرة حسن نية، ورغم أن هذا الاتفاق واجه مشاكل وتراجعًا بعد ساعات قليلة، إلا أن مجرد تحقيقه خلال أقل من 24 ساعة يُعد إنجازًا دبلوماسيًا. رغم أن حرب المفاوضات مازالت مستمرة بين أميركا وإيران ومن المبكر، حتى بالنسبة إلى المفاوضين في جنيف، قبل المراقبين والمحللين المستعجلين، الحكم على ما يمكن أن تنتهي إليها، وهنا يستحضرنا الرئيس دوايت أيزنهاور الذي كان يقول إن "صاحب المطرقة يعد أن كل المشكلات مسامير".

وترامب صاحب مطرقة يضرب كل مسمار أمامه، إلى جانب كونه مقاولاً يرى أن كل شيء مال، ويبرع في الصفقات العقارية ويرى في كل أزمة صفقة يسعى إلى الترويج لنفسه من خلالها لكن المرشد الأعلى علي خامنئي رحمه الله كان يردد دائماً قصيدة لشاعر فارسي جاء فيها "المسمار كلما دقت المطرقة رأسه ثبت أعمق في مكانه". وفي العودة إلى المفاوضات فما يثير الاهتمام بشكل خاص هو هوية الشخص الذي يقود هذه المفاوضات الحساسة، فالمبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، الذي يتولى ملف إيران، هو نفسه الشخص الذي كُلّف بإجراء مباحثات لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، ووفقًا لصحيفة "الشرق الأوسط"، فإن ترامب كلّف مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بإجراء مفاوضات في يوم واحد بجنيف حول الأزمة النووية الإيرانية والحرب الروسية الأوكرانية في وقت واحد، هذا التداخل في الملفات يطرح سؤالاً جوهرياً، كيف ينجح الدبلوماسي نفسه في تحقيق تقدم ملموس مع طهران خلال ساعات، بينما يفشل في تحقيق أي اختراق في الملف الأوكراني؟ خاصة وأن ويتكوف وكوشنر هما "هواة" بلا خبرة للتفاوض يواجهان في الملف الإيراني خبير محنك صاحب تجربة طويلة من أيام التفاوض مع إدارة أوباما، هو وزير الخارجية عباس عراقجي الذي لا يهدأ كأنه "مؤسسة" في رجل تمكن من السيطرة حتى على الإعلام الأميركي، وفي الملف الروسي فلاديمير ميدينسكي الذي سبق ووصفته مجلة "فوربس" الأمريكية بأنه "رجل من العشيرة الإيديولوجية" للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولا شك أنه في عصر المعلومات "يربح الحرب من تربح قصته"، كما كان يقول البروفيسور جوزيف ناي، وبطبيعة الحال فأن قصة الحضارات الأصلية تتفوق على المصطنعة والزائفة. كما يبدو أن سر نجاح الدبلوماسية في طهران وفشلها في كييف لا يكمن في مهارة المفاوضين بقدر ما يعود إلى بنية الصراع نفسه، فحين تكون القضايا قابلة للتجزئة، والأطراف محدودة، والتوازنات تسمح بالمقايضة، تجد الدبلوماسية طريقها. أما حين يتحول النزاع إلى معركة وجودية متعددة الأطراف، تتداخل فيها القوة مع الهوية، فإن التفاوض يصبح مهمة شبه مستحيلة على الأقل في المدى المنظور.

الملف الأوكراني.. توقف تام بسبب تعنت زيلينسكي

على الجانب الآخر، تبدو صورة المفاوضات بشأن أوكرانيا قاتمة للغاية، فقد أعلن الكرملين أن محادثات السلام الثلاثية دخلت في "توقف مرحلي"، وهو توقف وُصف بأنه ظرفي ومؤقت، لكنه يعكس عمق الأزمة، المصادر تؤكد أن الحرب في إيران أدت إلى توقف مؤقت للمفاوضات بين موسكو وواشنطن وكييف، لكن العائق الحقيقي يبقى هو تعنت الرئيس الأوكراني.فالمشكلة ليست في الوسيط أو في الإرادة الدولية، بل في شخصية زيلينسكي نفسه، فهو، وفقًا لتحليلات عديدة، عنيد وغير قادر على التفاوض، والأهم من ذلك، لا يمتلك رؤية مستقلة، فالرئيس الأوكراني ليس سوى أداة بيد الغرب والاتحاد الأوروبي، ينفذ تعليماتهما دون نقاش، ونقلًا عن تقارير إخبارية، وصفت الخارجية الروسية زيلينسكي بأنه مجرد "أداة" لتنفيذ سياسات الغرب، يضاف إلى ذلك تمسكه بعدم التنازل عن أي جزء من الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها روسيا حالياً، وهو موقف وُصف من مراقبين بأنه غير واقعي ويعيق أي تقدم دبلوماسي.وبما أنه لا يملك قراراً مستقلاً، فإن أي جهد أميركي لتحريك عجلة التفاوض يصطدم بجدار من المطالب الغربية غير القابلة للتحقيق، هذا الوضع يفسر بشكل قاطع لماذا يتوقف مسار المفاوضات الأوكرانية عن أي تقدم أو نجاح، في الوقت الذي يحقق فيه المبعوث الأميركي نفسه إنجازاً دبلوماسياً لافتاً مع إيران، فالتعنت الأوكراني، والانقسام الداخلي لزيلينسكي بين إرادته وإرادة من يموله، هو السبب الحقيقي وراء استمرار الحرب في أوكرانيا وغياب أي أفق للحل السلمي.

صراع وجودي غير قابل للتفاوض أم تفكيك تدريجي..

في الحالة الإيرانية، كان يدور النزاع بدايةً حول برنامج نووي يمكن وصفه بأنه "قابل للتجزئة"، أي أن عناصره بدءاً من نسب التخصيب إلى العقوبات وآليات التفتيش يمكن تفكيكها والتفاوض عليها بشكل تدريجي، هذا ما سمح بولادة خطة العمل الشاملة المشتركة، كإطار قانوني وتقني قابل للتنفيذ، لكن سرعان ما تتطور هذا النزاع نحو صراع وجودي طال هوية النظام الإيراني في الصميم بعد سن العدوان الإسرائيلي الأميركي عليها في 28 شباط الماضي واغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية وعدد كبير من القادة في مسعى لتغيير النظام بالقوة، والرد الإيراني المفاجئ الذي طال هوية النظام الأميركي في الصميم كنظام مهيمن على العالم وطرق التجارة والاقتصاد العالمي خاصةً مع استخدام "مضيق هرمز" كسلاح استراتيجي، واستهداف القواعد والمصالح الأميركية المنتشرة في المنطقة فبات صراع وجود لكل طرف من الأطراف.في المقابل، الصراع في أوكرانيا مع روسيا منذ بدايته كان يتجاوز الملفات التقنية إلى مسائل وجودية مثل السيادة، وحدة الأراضي، والهوية الجيوسياسية، وهنا، يصبح التنازل مكلفًا إلى حد تهديد بقاء الدولة أو النظام السياسي، ما يجعل الحلول الوسط شبه مستحيلة، وهذا الفرق يتقاطع مع ما يُعرف في أدبيات التفاوض بـ"نظرية النضج التفاوضي"، التي تفترض أن النزاعات لا تصبح قابلة للحل إلا عندما تصل الأطراف إلى "مأزق مؤلم متبادل"، وفي إيران، لعبت العقوبات دورًا أساسيًا، لكن لم تكن وحدها.

عامل الضغط الحاسم: مضيق هرمز

لا شك أن أحد العناصر التي سرّعت الدفع نحو التفاوض في الحالة الإيرانية كان التهديد المرتبط بـمضيق هرمز، وهو شريان حيوي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، فإمكانية تعطيل هذا الممر ولو جزئيًا شكّلت تهديدًا عالميًا للاقتصاد، وورقة ضغط استراتيجية بيد إيران، ومصدر قلق مباشر للقوى الكبرى. وفي هذا السياق، برزت أطراف إقليمية مثل باكستان التي ربطت، في بعض الطروحات الدبلوماسية، بين خفض التوتر وفتح المجال البحري كإشارة "حسن نية"، سواء تحققت هذه الصيغة حرفيًا أم لا، فإن المنطق التفاوضي هنا واضح يمكن ملاحظته بوجود "رافعة تصعيدية" يمكن تحويلها إلى مكسب تفاوضي وهذا ينسجم مع "نظرية نفوذ الوساطة"، حيث يصبح التهديد بالتصعيد أداة لدفع الأطراف نحو التسوية بدلًا من الانفجار.في الحالة الأوكرانية، يطرح السؤال: ما هو "مضيق هرمز" الخاص بهذا النزاع؟ أو ما الذي يوازي مضيق هرمز بالتأثير ليكون رافعة تصعيدية يمكن تحويلها إلى مكسب تفاوضي؟ وللإجابة على هذا التساؤل يمكن تحديد عدة عناصر، لكنها تختلف جوهريًا، العنصر الأول هو "ورقة الطاقة" حيث سعت روسيا إلى استخدام الغاز والنفط وكذلك البنية التحتية للطاقة كأداة ضغط على الاتحاد الأوروبي.. لكن هذه الورقة تآكلت مع تنويع مصادر الطاقة الأوروبية وبالتالي فقدت عنصر "الصدمة الفورية" الذي يميز مضيق هرمز.

والعنصر الثاني هو "الممرات البحرية في البحر الأسود" حيث يمثل البحر الأسود وممرات تصدير الحبوب عنصر ضغط مهم لأنه يؤثر على الأمن الغذائي العالمي، كما استُخدم كورقة تفاوض في اتفاقيات الحبوب السابقة لكن تأثيره كان أقل شمولًا من هرمز كما يمكن الالتفاف عليه جزئيًا وهءا ما حصل. أما العنصر الثالث فهو "التصعيد النووي كردع لا كأداة تفاوض" حيث تمتلك روسيا سلاحًا نوويًا، لكن استخدامه يظل ضمن إطار الردع ولا يمكن تحويله بسهولة إلى "ورقة تفاوض تدريجية" لأنه يندرج ضمن صفقة "كل شيء أو لا شيء".. وعليه فإن الفارق الجوهري والأساسي هو أن مضيق هرمز أداة ضغط قابلة للمعايرة باتجاه التصعيد أو التهدئة تدريجياً بينما أدوات أوكرانيا وروسيا هي إما محدودة التأثير أو تصعيدية بشكل مفرط وهذا يقود إلى نتيجة مهمة في نظريات التفاوض مفادها أن النزاعات تحتاج إلى "أدوات ضغط قابلة للتحكم"وليس فقط أدوات ردع قصوى.تعقيد الأطراف والنظام الدوليلم تكن مفاوضات إيران سهلة، لكنها جرت ضمن إطار واضح ضم عددًا محدودًا من الأطراف. في المقابل، تتشابك الأزمة الأوكرانية مع مصالح قوى كبرى مثل حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة، ما يحول أي تفاوض إلى عملية معقدة متعددة المستويا، وهنا تبرز "نظرية الألعاب ذات المستويين"، حيث يصبح كل قرار تفاوضي رهينة لضغوط داخلية وخارجية متشابكة.

كما أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفرت في الملف الإيراني إطارًا تقنيًا وقانونيًا واضحًا، أما في أوكرانيا، فرغم وضوح نتائج الاستفتاء الشعبي في الأقاليم الأربعة التي طالبت بالانضمام إلى روسيا، فإن غياب آليات تنفيذ فعالة يجعل القانون الدولي أقل قدرة على فرض حلول.في المحصلة، يبدو أن إضافة عامل مضيق هرمز تكشف بعدًا حاسمًا للمفاوضات التي لا يتطلب نجاحها وجود "أزمة" فقط، بل وجود "أزمة" يمكن التحكم بدرجة تصعيدها. وفي إيران، اجتمعت العقوبات الشديدة والتهديد استراتيجي عالمي (هرمز) وأدوات الضغط القابلة للمعايرة.. أما في أوكرانيا، فالصراع يفتقر إلى مكافئ حقيقي لهذه المعادلة، ما يجعل الدبلوماسية تتحرك في بيئة إما ضغط غير كافٍ، أو تصعيد غير قابل للاحتواء.. وهنا يكمن أحد أهم أسباب تعثر الحل، رغم كثافة الجهود الدبلوماسية..ناهيك عن سبب أساسي وهو امتلاك إيران للقرار المستقل بل أثبتت بأنها طرف صعب المواجهة وأنها سيدة نفسها وقطب إقليمي لا يمكن تجاوزه بينما أوكرانيا لا تملك قراراً مستقلاً تجعل أي جهود أميركية لتحريك عجلة التفاوض تصطدم بجدار من المطالب الغربية غير القابلة للتحقيق، هذا الوضع يفسر بشكل قاطع لماذا يتوقف مسار المفاوضات الأوكرانية عن أي تقدم أو نجاح، في الوقت الذي يحقق فيه المبعوث الأميركي نفسه إنجازاً دبلوماسياً لافتاً مع إيران، فالتعنت الأوكراني، والانقسام الداخلي لزيلينسكي بين إرادته وإرادة من يموله، هو السبب الحقيقي وراء استمرار الحرب في أوكرانيا وغياب أي أفق للحل السلمي.

 


نورنيوز-وكالات
تعليقات

الاسم

البريد الالكتروني

تعليقك