نور نيوز: لا يمكن فهم التطورات الأخيرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية دون النظر إلى الطبيعة الاستراتيجية لسلوك كلا الجانبين. فما بدأ في 29 مارس/آذار 1404 كعدوان عسكري مشترك من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران، لم يكن مجرد عمل عسكري، بل محاولة لإعادة رسم موازين القوى في منطقة غرب آسيا.
كان الهدف الرئيسي من هذه العملية إحداث "صدمة استراتيجية" بإقصاء قمة هرم صنع القرار وشلّ هيكل القيادة الإيرانية، لإجبار طهران على قبول الشروط المفروضة. إلا أن مجريات الأحداث أظهرت أن هذا الحساب كان مبنياً على تقدير خاطئ لقدرات إيران الحقيقية وديناميكياتها الداخلية.
في أقل من أربعين يوماً، لم يقتصر رد إيران على تغيير معادلات الميدان فحسب، بل رسم أيضاً صورة جديدة لموازين القوى الحقيقية في المنطقة. فقد أظهرت الهجمات الموجهة على القواعد الأمريكية في المنطقة، وإلحاق خسائر ملموسة بالكيان الصهيوني، والسيطرة على مضيق هرمز، وتوسع نطاق الحرب إقليمياً، أنه خلافاً للافتراضات الأولية، لم تكن إيران هي المتفاجئة، بل واشنطن وتل أبيب هما من وقعتا في فخ تقييم استخباراتي غير مكتمل.
كان الانهيار الاجتماعي السريع وعدم الاستقرار السياسي، والفجوة في السيادة، والعجز عن الرد، ثلاثة عناصر أُدرجت في التصميم الأولي للعدو، لكن لم يتحقق أي منها على أرض الواقع. وقد انعكس هذا الفشل أيضاً، لا سيما في وسائل الإعلام الغربية وتحليلات الخبراء، وأشار إلى فشل حرب "سريعة ومحدودة ونظيفة".
في ظل هذه الظروف، يُنظر إلى التحول من الساحة العسكرية إلى الساحة الدبلوماسية على أنه محاولة لإعادة استخدام أدوات الضغط بصيغة مختلفة، وليس دليلاً على رغبة أمريكا الحقيقية في حل الأزمة. ويشير وساطة باكستان وقبول دونالد ترامب للخطة الإيرانية المقترحة إلى أن واشنطن تسعى إلى مخرج مؤقت من المأزق العسكري، وإلى إعادة بناء موقفها لتحقيق أهداف لم تُحقق في ساحة المعركة. هذا النمط غير مسبوق في السلوك الاستراتيجي الأمريكي، حيث تُعرَّف المفاوضات لا كبديل للحرب، بل كامتداد لها في مجال آخر.
ومع ذلك، أظهرت محادثات إسلام آباد التي استمرت 21 ساعة بين محمد باقر قاليباف وجي دي فانس مجددًا أن الفجوة في أهداف وتوقعات الجانبين أعمق من أن تُحل على المدى القريب. وقد تسبب طموح أمريكا المفرط ومحاولاتها لفرض أطر أحادية الجانب في أن تُلاقي هذه المحادثات مصير العديد من المحادثات السابقة، وأن تنتهي دون نتائج. وكان فشل هذه الجولة من المفاوضات نقطة تحول في عودة التوتر إلى مستوى أعلى.
يحمل رد فعل دونالد ترامب الفوري بإعلان حصار مضيق هرمز رسالة متعددة الأوجه. ففي الأدبيات العسكرية، يُعتبر الحصار البحري إحدى المراحل التمهيدية لتصعيد النزاع، بل وحتى شن عملية عسكرية أوسع نطاقًا. ورغم تأكيد بيان القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) على عدم تقييد حرية الملاحة إلى الموانئ غير الإيرانية، فإن الهدف الرئيسي من هذا الإجراء هو ممارسة ضغط اقتصادي ونفسي على إيران، فضلًا عن توجيه رسالة ردع إلى الأطراف الإقليمية الأخرى. كما يشير هذا الإجراء إلى سعي الولايات المتحدة إلى استخدام وسائل غير مباشرة للتعويض عن إخفاقاتها على الأرض.
وتؤيد التقارير المنشورة في وسائل إعلام مثل صحيفة وول ستريت جورنال هذا التوجه. إن دراسة إدارة ترامب لخيار "الضربات المحدودة" تدل على محاولة لخلق منطقة رمادية بين الحرب والسلام؛ وضعٌ تستطيع فيه الولايات المتحدة الحفاظ على مستوى من الضغط العسكري دون الانخراط في صراع شامل، واستخدامه كورقة ضغط في مفاوضات مستقبلية محتملة.
ويمكن تحليل هذا النمط في إطار استراتيجية "الضغط الأقصى الذكي". استراتيجيةٌ تقوم على مزيجٍ من الأدوات العسكرية والاقتصادية والنفسية لإجبار الطرف الآخر على تقديم تنازلات.
إلا أن تجربة الأربعين يومًا الماضية أظهرت أن هذا النوع من الحسابات يواجه تحدياتٍ جسيمة أمام إرادة إيران وقدرتها على الرد. أي عمل عسكري محدود سيحدث في بيئةٍ تغير فيها ميزان القوى جذريًا. لقد أظهرت إيران أنها لا تملك القدرة على الرد بشكلٍ متكافئ فحسب، بل لديها أيضًا القدرة على العمل بشكلٍ غير متكافئ على مستوياتٍ مختلفة.
لذا، فإن أي محاولةٍ لاستخدام التهديد العسكري قد تخرج عن السيطرة بسرعة وتؤدي إلى صراعٍ أوسع نطاقًا؛ وهو سيناريو سيُكبّد الكيان الصهيوني، ولا سيما الولايات المتحدة، خسائر فادحة نظرًا لتشتت قواته في المنطقة.
في مثل هذه الظروف، تتمثل الاستراتيجية المنشودة لإيران في مواصلة وتعزيز ردها الفعال، والاستمرار في استخدام مجموعةٍ من الأدوات الوطنية والإقليمية. لا يقتصر هذا النهج على مجرد الرد على التهديدات، بل يشمل أيضًا ترسيخ فهمٍ واضح لدى صانعي القرار الأمريكيين لتكاليف أي عملٍ عدائي. إن الرد الحاسم والمتناسب على أي إجراء محدود يمكن أن يوصل رسالة مفادها أن استخدام "العصا العسكرية" ليس غير فعال فحسب، بل يمكن أن يؤدي أيضًا إلى مزيد من إضعاف موقف الولايات المتحدة في المنطقة.
نورنيوز