نورنيوز : في تطور هام في شرق آسيا، استضاف الرئيس الصيني شي جين بينغ زعيمة المعارضة التايوانية تشنغ لي وون في بكين؛ وهو حدث يُعد الأول من نوعه منذ أكثر من عقد. من جهة، يُشير هذا اللقاء إلى أن نطاق انعدام الثقة في الأمن الأمريكي من أوروبا والدول العربية قد وصل إلى شرق آسيا، ومن جهة أخرى، يُمكن ملاحظته في تجاهل التحذيرات من قِبل قادة الولايات المتحدة المُؤيدين للحرب، بشأن تداعيات الحرب ضد إيران على حلفاء الولايات المتحدة الآخرين، من كوريا الجنوبية ضد كوريا الشمالية إلى أوكرانيا وأوروبا ضد روسيا وتايوان ضد الصين. وضعٌ ناتجٌ عن سياسة "إسرائيل أولاً" وكشف زيف الهيمنة العسكرية الأمريكية.
الحلفاء، الضحايا الأوائل للسياسة الإسرائيلية والأمريكية.
بينما تدّعي الولايات المتحدة بيع الأمن لحلفائها وأصدقائها، من أوروبا والدول العربية في جنوب الخليج الفارسي إلى تايبيه الصينية وكوريا الجنوبية واليابان، فإنها تستغل هيمنتهم الاقتصادية والسياسية والأمنية. في حين أن نزعة ترامب الحربية القائمة على مبدأ "إسرائيل أولاً" كشفت زيف هذه الصفقة الأمنية وأدت إلى خيبة أمل حلفاء الولايات المتحدة.
إرضاءً للصهيونيين، لم يكتفِ ترامب بفرض تكاليف اقتصادية وسياسية وأمنية باهظة على الشعب الأمريكي وحلفائه، بل جلب أيضاً أنظمة دفاعية وأسلحة توفر الأمن والردع لحلفاء مثل أوكرانيا وروسيا وكوريا الجنوبية واليابان من هذه المناطق إلى غرب آسيا؛ مما كشف أكثر عن ضآلة أهمية أمن هذه الدول أمام مبدأ "إسرائيل أولاً".
سلطةٌ مُنتحلة
لقد كلّفت الدعاية الأمنية الأمريكية، التي تزعم تفوّق القوة العسكرية في معادلات الحرب والأمن، حلفاء الولايات المتحدة مليارات الدولارات سنويًا، وفي حالاتٍ مثل تايوان، حمّلت دافعي الضرائب الأمريكيين مليارات الدولارات من النفقات السنوية، بينما كشفت "حرب رمضان" للجميع أن هذا الزعم ليس إلا انتحالًا.
أظهرت هذه الحرب أن الحرب لا تقوم على القوة العسكرية وحدها، بل على عناصر جديدة كالمرونة الاقتصادية، والوحدة الوطنية، والاستراتيجيات غير المتكافئة، وتحويل مبادئ القوة من مجرد احتمال إلى واقع.
أدرك العالم، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة، أن الدعاية الأمنية الأمريكية، من جهة، ليست إلا انتحالًا لا يتناسب مع الواقع على الأرض، وأن الاعتماد على الأمن الأمريكي المُصطنع لا يُحقق أي نتائج سوى التكاليف. وبناءً على ذلك، أصبح العودة إلى عناصر الأمن الجديدة مبدأً استراتيجيًا لا جدال فيه لتحقيق الأمن.
تحذيرات لم تُؤخذ على محمل الجد
بدأت الولايات المتحدة، في خضمّ الصراع الصهيوني، حربًا على إيران وغرب آسيا، بينما كانت تحذيرات عديدة تُطلق في جميع أنحاء العالم منذ اليوم الأول لإرسال سفنها إلى المنطقة، بشأن العواقب العالمية لهذه الحرب.
كان من المتوقع أن الحرب ضد إيران وجبهة المقاومة، كما هو الحال مع التطورات في فنزويلا وتصورات هوليوود لقادة أمريكا عن حلم شنّ الحرب، لن تكون مجرد مغامرة بلا عواقب، وأن عواقبها لن تقتصر على غرب آسيا فحسب، بل ستشمل العالم بأسره.
إن التكاليف الاقتصادية الباهظة لشنّ الحرب ليست سوى جانب واحد من المعادلة، بينما تُعتبر التداعيات اللاحقة لانهيار الأمن وتزايد الضغط على حلفاء أمريكا جزءًا مهمًا آخر منها.
إن انخراط الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران، في حين أنه، وفقًا لجوي كينت، رئيس إدارة مكافحة الإرهاب الأمريكية، لم يكن هناك أي تهديد للولايات المتحدة، سيعزز الحقيقة الذاتية القائلة بأن سلمية أمريكا غير موثوقة، وأن الأمن يجب تحقيقه من خلال العمل العسكري. ستؤدي هذه التوجهات إلى تصاعد الهجمات الروسية على أوكرانيا بهدف استقرار الأوضاع، وممارسة الصين ضغوطًا عسكرية على تايوان، وتعزيز القوة العسكرية لكوريا الشمالية في مواجهة جارتها الجنوبية واليابان.
العالم في صراع من أجل نظام عالمي جديد
إلى جانب التداعيات التي خلّفتها حرب رمضان على الاقتصاد العالمي، فقد زادت من حدة الصراع العالمي من أجل نظام عالمي جديد؛ نظامٌ تلعب فيه إيران، من جهة، دور صاحب القرار النهائي في مضيق هرمز، بينما يُمثّل التسلح الأمريكي، من جهة أخرى، تهديدًا أمنيًا للجميع، ولم يعد يُنظر إليه كمنقذ، بل تحوّل إلى أزمة أمنية؛ أزمة بدأ العالم بمواجهتها سعيًا لتحقيق الأمن.
أثبتت حرب رمضان للجميع، من جهة، أن تراجع نفوذ أمريكا كدولة تابعة قد بدأ، وأن الأمن المحلي والإقليمي سيحل محل مبيعات الأمن الأمريكية، ومن جهة أخرى، أن مبدأ إسرائيل الأول في غرب آسيا قد عزز الحاجة إلى احتواء الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، ومواجهة النفوذ الأمريكي على الساحة الدولية.
ويتجلى هذا الوضع في تحركات الصين ضد تايوان، وتصعيد روسيا لهجماتها في أوكرانيا، وتهديدات كوريا الشمالية لكوريا الجنوبية؛ وهي مشكلة متجذرة في أوهام أمريكا ونزعتها الحربية في غرب آسيا، وقد ساهمت في تسريع وتيرة تحول العالم نحو نظام جديد وأمن داخلي.
نورنيوز