نورنيوز : يمكن تحليل سلوك دونالد ترامب الأخير، المتمثل في التهديد بوقف إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا، وفقاً لنمط هيكلي في السياسة الخارجية الأمريكية؛ نمط قائم على "الابتزاز الأمني" من الحلفاء. فعلى مدى العقود الماضية، ولا سيما في إطار حلف الناتو، ربطت واشنطن أمن أوروبا بتبعية عميقة، وتستخدم الآن هذه التبعية نفسها كأداة ضغط. وتواجه أوروبا، التي تخلت عن استقلالها العسكري النسبي في إطار نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، معضلة صعبة اليوم: إما قبول التكاليف المتزايدة للحرب في أوكرانيا، أو مواجهة انخفاض في الدعم العسكري الأمريكي.
أوروبا، التي تخلت عن استقلالها العسكري النسبي في إطار نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، تواجه اليوم معضلة صعبة: إما قبول التكاليف المتزايدة للحرب في أوكرانيا، أو مواجهة انخفاض في الدعم العسكري الأمريكي.
يُظهر هذا الوضع أن الولايات المتحدة لم تكن شريكًا أمنيًا لأوروبا، بل مجرد "مدير لتكاليفها الأمنية". وفي هذا السياق، لا يُعدّ التهديد بقطع المساعدات عن كييف مجرد أداة تكتيكية، بل جزءًا من استراتيجية شاملة لنقل عبء الحرب إلى أوروبا مع الحفاظ على سيطرتها على قراراتها الأمنية. في الواقع، تستغل واشنطن الأزمة الأوكرانية لإعادة إنتاج وتكثيف بنية التبعية.
مضيق هرمز وفشل استراتيجية احتواء إيران
إلى جانب الأزمة الأوكرانية، يُعدّ الضغط الأمريكي على أوروبا لإشراكها في مشاريع تتعلق بفتح مضيق هرمز أو السيطرة الاستراتيجية عليه مؤشرًا على تركيز واشنطن على الاحتواء الجيوسياسي لإيران. ومع ذلك، تُظهر الحقائق على أرض الواقع أن هذه الاستراتيجية تعاني من قصور خطير. فبالاعتماد على قدراتها الدفاعية المحلية وموقعها الجيوسياسي في الخليج الفارسي، تمكنت إيران من تغيير معادلة الردع لصالحها.
في هذا السياق، لا يُنظر إلى الضغط على أوروبا للمشاركة في مثل هذه التحالفات من منظور القوة، بل من منظور التعويض عن الإخفاقات الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. تُدرك أوروبا تمامًا أن أي تدخل مباشر في التوتر القائم في مضيق هرمز سيُؤدي إلى عواقب اقتصادية وطاقية وخيمة على القارة. ولذلك، يتفاقم التباين في وجهات النظر بين واشنطن والعواصم الأوروبية، مما يُهدد بشكل خطير التماسك التقليدي للغرب.
أوكرانيا، وحلف شمال الأطلسي، وأزمة الثقة في الدبلوماسية
في حالة أوكرانيا، بات التناقض بين الأقوال والأفعال الأمريكية أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فبينما تُشكل أوكرانيا ساحة المعركة الرئيسية في حرب الغرب بالوكالة مع روسيا، تتحدث واشنطن في الوقت نفسه عن "المفاوضات" و"خفض التصعيد". تُظهر هذه الازدواجية أن الدبلوماسية في السياسة الخارجية الأمريكية ليست أداة لحل الأزمة، بل غطاءً لإدارة الحرب.
في هذا السياق، يُشير تهديد ترامب بتقليص المساعدات العسكرية أو وقفها إلى أن استمرار الحرب في أوكرانيا هو أداة للضغط الجيوسياسي أكثر منه التزامًا بالقيم. يُظهر هذا الوضع أيضًا أن روسيا تخوض حرب استنزاف، لا تُحدد قواعدها في ساحة المعركة، بل على مستوى صنع القرار في حلف الناتو وواشنطن. ونتيجةً لذلك، تراجعت الثقة العالمية في العمليات الدبلوماسية الغربية تراجعًا حادًا.
التبعات العالمية وتراجع النظام العالمي المتمحور حول الغرب
يُعدّ سلوك الولايات المتحدة المتناقض تجاه أوكرانيا والشرق الأوسط مؤشرًا على التراجع التدريجي للنظام العالمي المتمحور حول الغرب. تجد أوروبا نفسها الآن أمام خيار صعب بين الاستقلال الاستراتيجي والتبعية الأمنية. إن استمرار التبعية لواشنطن يعني قبول دور هامشي في القرارات العالمية الكبرى، بينما يُكبّد النأي بالنفس عنها تكاليف أمنية وسياسية باهظة.
من جهة أخرى، استطاعت إيران، من خلال استراتيجية الردع الفعال، إعادة صياغة المعادلات الأمنية في المنطقة، وإثبات قدرة نموذجها الأمني المحلي على مقاومة هياكل القوى الغربية التقليدية. في ظل هذه الظروف، يتجه العالم نحو تعددية أقطاب حقيقية، حيث لم يعد بالإمكان الحفاظ على احتكار الولايات المتحدة وحلفائها للأمن.
نورنيوز-وكالات