نور نيوز: إن تهديد دونالد ترامب الأخير بمهاجمة البنية التحتية للكهرباء والطاقة في إيران، بغض النظر عن آثاره العملية، يُفسّر أكثر من أي شيء آخر موقف رئيس دولة تُقدّم نفسها كبطلة لحقوق الإنسان وسيادة القانون ومكافحة الإرهاب، لكنها تُهدّد صراحةً دولة مستقلة باستهداف بنية تحتية حيوية؛ وهو فعل يُعتبر مثالاً واضحاً على جريمة حرب في إطار القانون الدولي. يأتي هذا التهديد في وقتٍ ادّعى فيه ترامب، بعد الهجوم على حقل بارس الجنوبي، أن الهجوم نُفّذ من قِبل الكيان الصهيوني دون علم الولايات المتحدة، بل وناشد إيران الامتناع عن الرد. لكن تغيير موقفه الآن يُظهر أن تلك التصريحات لم تكن مجرد تضليل، بل محاولة للتهرب من المسؤولية عن عمل منسق.
في ظل هذه الظروف، تواجه الدول الأوروبية وبعض الجهات الفاعلة الإقليمية التي ركزت فقط على إدانة رد إيران وتجنبت الإشارة إلى الأعمال العدوانية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، اختبارًا حقيقيًا: هل ستستمر في سياسة الصمت والتواطؤ، أم ستعترف بالحقائق على أرض الواقع وفي القانون؟ هذا الصمت لا يعني الحياد فحسب، بل يعني أيضًا نوعًا من المشاركة غير المباشرة في عملية قد تُشكل مخاطر جسيمة على أمن المنطقة والعالم.
ينبغي لهذه الدول أن تُدرك الآن أن الطرف الذي يجب الضغط عليه لتحمل المسؤولية هو الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وليس إيران.
واشنطن في فخ هرمز: انهيار ادعاء
يجب تحليل تهديد ترامب في سياقه الواقعي. لقد فقد مزاعمه السابقة بأن أمريكا لا تحتاج إلى طاقة الخليج الفارسي مصداقيته تماما في ظل الضغوط المتزايدة لإبقاء مضيق هرمز مفتوحًا. يُظهر هذا التناقض الظاهر أن مضيق هرمز لا يزال أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، وأن أي اضطراب فيه يؤثر بشكل مباشر على المصالح الغربية.
نجحت استراتيجية إيران في إدارة حركة المرور في هذا الممر الاستراتيجي بشكل مدروس في تغيير موازين القوى، بحيث انتُزعت زمام المبادرة من واشنطن. وقد دفع هذا الولايات المتحدة إلى اللجوء إلى تهديدات مكلفة ومحفوفة بالمخاطر بدلًا من استخدام الوسائل التقليدية؛ وهي تهديدات تُعدّ مؤشرًا على ارتباك استراتيجي أكثر منها مؤشرات على فعالية عملياتية.
الردع الفعال: الركيزة الاستراتيجية لطهران
تُعدّ إدارة مضيق هرمز جزءًا من استراتيجية ردع أوسع نطاقًا، مصممة للسيطرة على مستوى التوتر وممارسة ضغط مُوجّه. لا تستند هذه الاستراتيجية إلى ردود فعل عاطفية، بل إلى حسابات سياسية وأمنية واقتصادية دقيقة.
أظهرت تجربة إيران في مواجهة التهديدات والإجراءات السابقة، ولا سيما الرد القوي والساحق على هجوم العدو الأمريكي الصهيوني على البنية التحتية لحقل بارس الجنوبي، أن التراجع ليس مطروحًا. بل على العكس، يمكن لأي ضغط جديد أن يؤدي إلى زيادة التماسك الداخلي وتعزيز الثقة في المسار المختار. من هذا المنظور، فإن تهديد ترامب لا يؤثر على حسابات طهران فحسب، بل قد يُسهم أيضا في ترسيخ هذه الاستراتيجية.
صراع البنية التحتية: بداية سلسلة من الأزمات
سيُقابل استهداف البنية التحتية للكهرباء والطاقة في إيران بردٍّ متبادل ومتعدد المستويات. ويُظهر الموقف الصريح للمؤسسات العسكرية الإيرانية من هذه القضية أن أي عدوان قد يؤدي إلى توسع نطاق الصراع ليشمل البنية التحتية الحيوية للمنطقة بأكملها.
في مثل هذا السيناريو، ستصبح البنية التحتية للطاقة وتكنولوجيا المعلومات والمرافق الحيوية للدول المعنية أهدافًا مشروعة للرد. كما أظهرت التجارب السابقة أن إيران تمتلك الإرادة والقدرة على تحويل التهديدات إلى أفعال. وهذا قد يُحوّل بسرعة مواجهة محدودة إلى أزمة واسعة النطاق. أزمة لن تقتصر عواقبها على الجانب العسكري فحسب، بل ستمتد لتشمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية وبيولوجية واسعة النطاق، ستطال إسرائيل والدول التي تُشكّل مصدر التهديد في المنطقة.
يُعدّ انقطاع شبكات الكهرباء، وتعطل محطات تحلية المياه، ونشوء أزمات معيشية في دول المنطقة، بعضًا من عواقب هذا الصراع. في حين أن إيران، نظرًا لاتساعها الجغرافي وتنوع مواردها، تُعتبر أقل عرضةً للخطر من بعض دول المنطقة.
معضلة الأزمة: سيناريو حصار مضيق هرمز
في الوضع الراهن، لم تُقدم إيران بعد على فرض حصار كامل لمضيق هرمز، بل تسعى فقط إلى إدارة حركة الملاحة، وهو نهجٌ منحها مرونةً استراتيجيةً كبيرة. مع ذلك، فإن استمرار الأعمال العدائية قد يُغيّر هذا الوضع.
إن فرض حصار كامل لمضيق هرمز يعني الدخول في مرحلة جديدة من الأزمة، مرحلةٌ ستتضاعف فيها التكاليف الاقتصادية والأمنية للولايات المتحدة وحلفائها بشكلٍ كبير. في ظل هذه الظروف، سيصبح هذا الممر محور أزمة عالمية، وسيؤثر على أسواق الطاقة والتجارة الدولية، بل وحتى على الاستقرار السياسي للعديد من الدول.
كما تُظهر ردود الفعل السلبية لوسائل الإعلام الغربية والإقليمية على تهديد ترامب وجود مخاوف جدية، حتى داخل الجبهة الغربية نفسها، بشأن عواقب هذا النهج. وتشير هذه المخاوف إلى أن الاستمرار في هذا المسار قد يُورِّط واشنطن في حرب مكلفة واستنزافية، حرب لن تُحقق أي مكاسب.
نورنيوز