نورنيوز: أظهرت تطورات العامين الماضيين في غرب آسيا، ولا سيما الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، أن واشنطن، رغم التحذيرات والفرص الدبلوماسية، مستعدة لاختيار مسارات المواجهة العسكرية المحفوفة بالمخاطر بإرادة إسرائيل. وتشير الأدلة إلى أن الأولوية الاستراتيجية في هذا القرار كانت تأمين مصالح الكيان الصهيوني وأمنه. ونتيجة لذلك، تعرضت الدول العربية التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، رغم علاقاتها البناءة مع إيران وعدم رغبتها في الدخول في حرب غير مرغوب فيها، لعواقب هذا الصراع وتكاليفه.
وأكد مسؤول سعودي في مقابلة مع قناة الجزيرة أن تركيز الدفاع الأمريكي ينصب على أمن إسرائيل، وأن الدفاع عن الدول العربية التي تستضيف القواعد يحظى باهتمام أقل. يتعزز هذا البيان أيضاً بالأدلة العملية؛ فالهجوم الإسرائيلي على الدوحة في سبتمبر/أيلول 2025، والذي استهدف مساكن كبار قادة حماس، كان مثالاً على القيود الأمنية الحقيقية التي تواجهها الدول المضيفة. ورغم أن هذه الحادثة التاريخية ليست سوى مثال، إلا أن محور النقاش الرئيسي ينصب على قرار الولايات المتحدة بدء الحرب وإعطاء الأولوية لأمن إسرائيل. إن وجود القواعد الأمريكية في الدول العربية، على الرغم من دورها في استقرار المنطقة واستضافة القوات الأجنبية، قد منح واشنطن قدرة هائلة على شن عمل عسكري ضد إيران.
يُجبر هذا الوضع إيران، على الرغم من رغبتها الداخلية وعلاقاتها الجيدة مع الدول المضيفة، على استهداف هذه القواعد رداً على التهديدات للحفاظ على قدرتها على الردع العملي. تؤكد هذه التجربة نمط التبعية الأمنية غير المتكافئة في المنطقة؛ إذ تتلقى الدول العربية جزءاً كبيراً من بنيتها التحتية الدفاعية من الولايات المتحدة وتستضيف قواعد استراتيجية، ولكن في أوقات الأزمات، تكون الأولوية العملياتية الأمريكية هي مصالح إسرائيل وأمنها. ومن الدروس المهمة للدول العربية أن الاعتماد فقط على وجود القوات الأمريكية أو أنظمة الدفاع المتقدمة لا يضمن الأمن القومي.
تُظهر التجارب الحديثة أن الأمن الحقيقي يجب أن يقوم على آليات إقليمية، وقدرات وطنية، وتعاون جماعي. ينبغي للدول العربية أن تسعى إلى تنويع سيناريوهات الأمن، بما في ذلك إنشاء أنظمة دفاعية مستقلة، وتبادل المعلومات الاستراتيجية مع الدول المجاورة، ووضع سياسات ردع مشتركة. إن إعادة تعريف الأمن الإقليمي على أساس المصالح المشتركة سيمكن الدول العربية من تقليل اعتمادها على القرارات الأحادية للجهات الفاعلة العابرة للأقاليم، والاستجابة بسرعة وتنسيق للأزمات. وقد أظهرت التجارب الحديثة أن الاعتماد الأحادي يضع الدول في موقف هش، وأن حتى العلاقات الجيدة والدبلوماسية النشطة لا يمكنهما منع الولايات المتحدة من استخدام قواعدها عسكريًا ضد إيران.
تُظهر سلسلة التطورات الأخيرة، أكثر من أي وقت مضى، أن على الدول العربية أن تستفيد من تجربة الحرب الأخيرة والأمثلة التاريخية المماثلة، وأن تُراجع، من خلال نهج قائم على الواقع الجديد، آليات ضمان الأمن المستدام في المنطقة، وأن تُعيد تعريفها. لا ينبغي أن يقوم الأمن المستدام على وجود قوى أجنبية فحسب، بل على مزيج من القدرات الدفاعية الوطنية، والتعاون الإقليمي، والدبلوماسية المستقلة، والردع الجماعي. عندها فقط تستطيع الدول العربية حماية مصالحها في مواجهة الأولويات الخارجية وتجنب الوقوع ضحايا للصراعات العابرة للأقاليم.
نورنيوز