معرف الأخبار : 278042
تاريخ الإفراج : 2/26/2026 4:23:59 PM
التفاوض وفقا لمعطيات مزيفة؛ أرقام ترامب المتخبطة وانهيار الثقة الدبلوماسية

التفاوض وفقا لمعطيات مزيفة؛ أرقام ترامب المتخبطة وانهيار الثقة الدبلوماسية

جنيف اليوم ليست مجرد منصة للمفاوضات النووية؛ إنها مسرح للتصادم بين الواقع والرواية. تبدأ المحادثات الجديدة بين إيران وأمريكا فيما ألقت تصريحات دونالد ترامب المثيرة للجدل الأخيرة أمام الكونغرس الأمريكي بظلال من أزمة إدراكية وانعدام ثقة عميق على أجواء المفاوضات.

تستضيف جنيف اليوم جولة جديدة من المحادثات النووية بين إيران وأمريكا؛ مفاوضات تبدو ظاهريًا تهدف إلى إدارة الخلافات وتخفيف التوتر، لكنها في جوهرها تواجه تحديًا أعمق: الصدع في الروايات، ومسألة الأمانة التحليلية على مستوى صنع القرار في واشنطن.

في ظل الأجواء السياسية الأمريكية التي تأثرت – بعد خطاب دونالد ترامب السنوي أمام الكونغرس الذي أُلقي أمس – بمجموعة من الادعاءات غير الصحيحة، فإن طاولة مفاوضات جنيف لا تواجه خلافات فنية فحسب، بل تواجه أزمة إدراكية.

تضمنت تصريحات ترامب ثلاثة محاور رئيسية:

ادعاء أن إيران تبعد أسبوعًا واحدًا فقط عن إنتاج المواد اللازمة لصنع قنبلة،
اختلاق أرقام حول 32 ألف قتيل في اضطرابات ديسمبر (دي‌ماه)،
طرح موضوع سعي إيران لتطوير صواريخ قارية المدى بهدف تهديد الأراضي الأمريكية.

هذه الصورة تختلف تمامًا عن الوقائع الميدانية والفنية. في المقابل، وصفت إيران هذه الادعاءات صراحة بأنها «غير صحيحة» و«أكاذيب كبيرة».
لا تكمن أهمية المسألة فقط في عدم دقة الأرقام والتحليلات، بل في مصدر إنتاج هذه الرواية ونقلها. في أي عملية دبلوماسية مستدامة، الشرط الأول هو وجود حد أدنى من الفهم المشترك للواقع. إذا تشكّل مستوى صنع القرار السياسي في أمريكا على أساس بيانات مبالغ فيها أو محرفة، فإن عملية التفاوض ستخرج عن مسارها الفني وتتحول إلى ساحة لألعاب إدراكية.
في هذا الإطار، هناك عدة احتمالات تستحق الدراسة:

الاحتمال الأول: أن يكون الرئيس الأمريكي قد تلقى معلومات غير دقيقة؛ وهو ما يشير إلى خلل في قناة نقل التحليلات الفنية إلى المستوى السياسي. في هذه الحالة، إما أن المفاوض الرئيسي أو فريق الأمن القومي قد أخطأ في نقل البيانات، أو فضّل الاعتبارات السياسية على الحقائق المتخصصة عند صياغة الرواية. مثل هذا الوضع لا يقوّض ثقة الطرف الآخر فحسب، بل يشوه جودة صنع القرار داخل أمريكا أيضًا.
الاحتمال الثاني: هندسة الرواية التهديدية بشكل واعٍ. في هذا السيناريو، يُعتبر التضخيم المتزامن في المجالات النووية والأمن الداخلي والصاروخي جزءًا من استراتيجية ضغط متعددة الطبقات؛ تهدف إلى تعزيز قوة التفاوض في جنيف، وإقناع الكونغرس، وتوحيد الرأي العام الداخلي الأمريكي خلف خيارات أكثر صرامة. تحويل البرنامج الصاروخي الإيراني – الذي يركز على المنطقة – إلى تهديد قاري ضد الأراضي الأمريكية يكتسب معنى في هذا السياق؛ إنه نوع من نقل مستوى التهديد لإضفاء الشرعية على سياسة «الضغط الأقصى».
الاحتمال الثالث: التأثر بإطارات أمنية خارجية. في السنوات الأخيرة، تأثر تحليل التهديد النووي والصاروخي الإيراني بشدة في بعض الأوساط الغربية بتصورات الأمن الإسرائيلي. إذا انتقلت هذه التصورات إلى مستوى صنع القرار في واشنطن دون تهذيب متخصص، فمن الطبيعي أن تميل الرواية الرسمية الأمريكية إلى الاتجاه ذاته. هنا، لا يتعلق الأمر بمجرد الولاء للرئيس، بل بالالتزام بإطار تحليلي معين قد يكون بعيدًا عن البيانات الموضوعية.

من المنظور الاستراتيجي، يشبه الوضع الحالي لعبة معلومات غير متكافئة؛ حيث إما أن يتخذ أحد اللاعبين قراراته بناءً على بيانات ناقصة، أو يرسل عمدًا إشارات مبالغ فيها للتأثير على حسابات الطرف الآخر. في كلا الحالتين، يرتفع خطر سوء الفهم.
إذا اعتبرت طهران هذه الادعاءات دليلاً على انعدام الصدق أو محاولة هندسة الضغط، فستنخفض مستويات الثقة الدنيا اللازمة لدفع المفاوضات قدمًا. وعلى العكس، إذا واصلت واشنطن صياغة سياستها بناءً على هذه الروايات المضخمة، فسترتفع احتمالات الخطأ الحسابي في تقييم رد فعل إيران.
مفاوضات جنيف اليوم ليست مجرد مناقشة التزامات فنية وخطوات متبادلة، بل هي اختبار لجودة قنوات التحليل في أمريكا. السؤال الأساسي هو: هل لا يزال صنع القرار في واشنطن يعتمد على بيانات متخصصة وتقارير دقيقة، أم أن الاعتبارات السياسية والضغوط الداخلية والروايات الأمنية المبالغ فيها قد سيطرت عليه؟
نجاح أو فشل هذه الجولة من المحادثات يعتمد أكثر من أي شيء آخر على متغير واحد: العودة إلى الواقع.
بدون أرضية تحليلية مشتركة، حتى أفضل النصوص الاتفاقية ستبقى هشة.
جنيف اليوم ليست مجرد مسرح تفاوض، بل هي ميدان لقياس علاقة السياسة بالحقيقة في عملية صنع القرار الأمريكي؛ علاقة إذا لم تُصلَح، فإن أي اتفاق سيعرض لعدم الاستقرار الاستراتيجي.


نورنيوز
تعليقات

الاسم

البريد الالكتروني

تعليقك