عُقدت الجولة الأولى من المرحلة الجديدة للمحادثات الإيرانية الأمريكية يوم الجمعة في مسقط، عاصمة سلطنة عمان، في حين تشهد العلاقات بين الجانبين تصاعدًا حادًا في التوترات خلال الأسابيع الأخيرة. بدأت هذه المفاوضات في جوٍّ لا تزال فيه تداعيات حرب الأيام الاثني عشر تُلقي بظلالها على العلاقات الثنائية والإقليمية والدولية، حيث جعل تراكم انعدام الثقة أي عودة إلى الدبلوماسية مسارًا غامضًا وربما محفوفًا بالمخاطر.
في هذا الجو، كانت طاولة مفاوضات مسقط نتاجا لضرورة ملحة؛ ضرورة نشأت عن تضافر المخاوف الأمنية، وضغوط الجهات الفاعلة الإقليمية، والخوف من الانزلاق مجددًا إلى المواجهة المباشرة. في هذا السياق، يُنظر إلى المحادثات الجديدة على أنها محاولة لاحتواء الأزمة أكثر من كونها مؤشرًا على الانفتاح، واختبارًا لقياس مدى إرادة البيت الأبيض والرئيس الأمريكي نفسه في الانتقال من جو المواجهة إلى إطار تفاهم مبدئي.
بعد انتهاء الجولة الأولى من المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، أعلن وزير الخارجية السيد عباس عراقجي عن عقد محادثات طويلة ومكثفة ومتعددة المراحل، برعاية سلطنة عُمان. بحسب قوله، أتاحت هذه المحادثات، التي استمرت من الصباح إلى المساء، فرصةً لنقل وجهات نظر ومخاوف ومطالب الجانبين في جوٍّ مقبول بعد أشهر من الانقطاع؛ وهو جوٌّ كان لدور وزير الخارجية العُماني في تيسيره أثرٌ حاسم.
وأكّد رئيس السلك الدبلوماسي على نقل مصالح وحقوق الشعب الإيراني بشفافية، واصفًا هذه الجولة من المحادثات بأنها "بداية جيدة"، لكنه اعتبر استمرارها رهناً بمشاورات داخلية في العاصمتين. ووفقًا لعراقجي، هناك اتفاق مبدئي على مواصلة المحادثات بين الطرفين، على أن يُحدَّد توقيت وشكل وجدول أعمال الجولة القادمة من المحادثات بعد مزيد من المشاورات ومن خلال سلطنة عُمان.
وفي إشارة إلى جوّ انعدام الثقة العميق الذي ساد بعد ثمانية أشهر من التوتر والحرب الأخيرة، اعتبر انعدام الثقة هذا العائق الأهم أمام المفاوضات، وأكّد أن تجاوز هذا الجوّ شرطٌ أساسي لوضع أي إطار جديد للمحادثات. في الوقت نفسه، أعلن إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية، أن محادثات مسقط اختُتمت بتفاهمٍ على استمرار المشاورات.
من جهة أخرى، تحدث دونالد ترامب بنبرةٍ مختلفة عن "جدوى" المحادثات، مُدّعياً أن إيران ترغب في التوصل إلى اتفاق؛ وهي تصريحات، إلى جانب المواقف الرسمية لطهران، تُشير إلى أن مسار المحادثات سيستمر بحذرٍ واختبارٍ متبادل.
محادثات عُمان وجرح انعدام الثقة الذي خلّفته الحرب
لطالما كانت مسقط إحدى المحطات الرئيسية للمحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة؛ وهي المحادثات التي سعت، في مراحل مختلفة، وبوساطة عُمانية فعّالة، إلى الحفاظ على قناة اتصالٍ محدودة بين الجانبين. مسارٌ هدف إلى إدارة الخلافات، واحتواء التوترات، واختبار إمكانية العودة التدريجية إلى الدبلوماسية، على الرغم من أن هذه الجهود لم تُفضِ إلى عمليةٍ مستدامة.
إن انعدام الثقة العميق الذي يتحدث عنه وزير الخارجية الإيراني اليوم متجذرٌ في هذه التجارب غير المكتملة؛ انعدام ثقةٍ بلغ ذروته خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو من العام الماضي. بدأت هذه الحرب بينما كانت طهران تستعد للدخول في جولة جديدة من المفاوضات؛ وهي عملية كان من الممكن أن تُعيد تنشيط مسار الحوار، لكنها توقفت فجأة بفعل العمل العسكري الإسرائيلي ضد إيران، والذي، بحسب مسؤولين أمريكيين، حظي بموافقة واشنطن.
بعد بدء العدوان، انضمت الولايات المتحدة مباشرةً إلى الحرب واستهدفت المنشآت النووية الإيرانية، الخاضعة لإشراف مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بهجمات عسكرية. من وجهة نظر طهران، لم تُوجه هذه التطورات ضربة قوية للثقة المتبادلة فحسب، بل أرسلت أيضًا رسالة مفادها أنه حتى عشية المحادثات، لا يُستبعد لجوء الطرف الآخر إلى الخيار العسكري. في هذا السياق، تُعد محادثات مسقط أكثر من مجرد استمرار طبيعي للمسار السابق، بل محاولة لرأب صدع عميق أحدثته الحرب والقصف في خضم الاستعدادات للدبلوماسية.
يواجه استمرار المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، بغض النظر عن التعقيدات الكامنة بين الجانبين، ضغوطًا سياسية وأمنية في واشنطن وتل أبيب؛ ضغوطًا تتعارض جوهريًا مع أي مسار دبلوماسي بين طهران وواشنطن. تعتبر جماعات الضغط الصهيونية والتيارات الأمريكية المؤيدة للحرب الدبلوماسية تهديدًا لاستراتيجيتها المواجهة، وتسعى إلى عرقلة الحوار قبل الوصول إلى إطار عمل موثوق.
في غضون ذلك، أدلى ماركو روبيو، الشخصية البارزة في البيت الأبيض المتشدد، بتصريحات صريحة في الأيام الأخيرة لدفع جدول أعمال المحادثات إلى ما هو أبعد من الملف النووي. ويرى المراقبون أن تأكيده المتكرر على ضرورة إدراج قضايا مثل قدرات إيران الصاروخية والدفاعية، فضلًا عن سياسات طهران الإقليمية، في المفاوضات، محاولة متعمدة لتعقيد عملية الحوار وخلق عقبات جديدة أمام الانطلاق الفعلي للدبلوماسية بين البلدين.
نورنيوز