معرف الأخبار : 272512
تاريخ الإفراج : 2/1/2026 4:23:07 PM
الدبلوماسية في الواجهة، والردع خلف الكواليس

الدبلوماسية في الواجهة، والردع خلف الكواليس

لا تقتصر تحركات إيران الأخيرة في السياسة الخارجية والأمنية على الزيارات والاجتماعات الدبلوماسية فحسب، بل يجري العمل على ترتيب متعدد المستويات لاحتواء الأزمة. فمن تفعيل القنوات الإقليمية إلى توجيه رسائل الردع الأمني، تسعى طهران إلى إبقاء مسار الحوار مفتوحًا وزيادة تكلفة أي خطأ في التقدير بالنسبة للخصم.

نورنيوز : لا يمكن اعتبار تحركات إيران الأخيرة في السياسة الخارجية والأمنية مجرد سلسلة من الزيارات الدبلوماسية والمواقف العابرة. ما يتشكل هو ترتيب متعدد المستويات لإدارة المخاطر والردع وقنوات الاتصال في آن واحد؛ ترتيب تعمل فيه الدبلوماسية الرسمية والقنوات الإقليمية والدعم الاستراتيجي والرسائل الإعلامية الموجهة بتناغم لتقليل احتمالية سوء التقدير من جانب الطرف الآخر والحفاظ على زمام المبادرة.

على الصعيد الدبلوماسي، ينبغي النظر إلى زيارة وزير الخارجية إلى تركيا كجزء من تفعيل قنوات اتصال منخفضة التكلفة. وفي هذه المرحلة، تلعب تركيا دور "الوسيط الحراري". أي أنها قناة لنقل الرسائل، وتقييم النوايا، والحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة دون الدخول في إطار المفاوضات الرسمية. يهدف هذا النوع من التحركات إلى منع تجميد العلاقات بشكل كامل أكثر من التوصل إلى اتفاق فوري. بعبارة أخرى، تسعى طهران جاهدةً للحفاظ على قنوات التواصل والاستماع، حتى في ذروة التوتر.

وبالتوازي، يُمكن فهم إمكانية تفعيل قدرات الدوحة في السياق نفسه. فقد أثبتت قطر في السنوات الأخيرة فعاليتها في نقل الرسائل الحساسة، والقضايا المالية، والترتيبات غير الرسمية. وتلعب هذه القناة دورًا هامًا في تخفيف حدة التوترات؛ سواءً لنقل الرسائل العاجلة أو لطمأنة المنطقة، لا سيما فيما يتعلق بعدم استخدام القدرات الإقليمية لجيرانها ضد إيران. ويُعد هذا المستوى من التحركات جزءًا من هندسة البيئة المحيطة بالأزمة.

على الصعيد الاستراتيجي، تحمل زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي إلى روسيا رسالة مختلفة. ويُعرف هذا النوع من المشاورات في مجال الدعم السياسي والتوازن الدولي. بإبقاء هذا المسار فعالاً، تُظهر طهران أنها حافظت على شبكة علاقاتها الفعّالة، وأن لديها خيارات بديلة في مواجهة الضغوط الغربية المحتملة. وتؤثر هذه الرسالة بشكل مباشر على حسابات الطرف الآخر بشأن مدى عزلة إيران أو انفتاحها.

لكن الجانب المهم من هذا الترتيب لا يقتصر على الزيارات؛ بل يتجلى أيضاً في مستوى الرسائل الاستراتيجية. فالتصريحات الأخيرة للأميرال علي شمخاني، ممثل القيادة في مجلس الدفاع، بأن رد إيران في حال وقوع أي هجوم قد يكون موجهاً ضد إسرائيل، ليست مجرد موقف إعلامي؛ بل هي جزء من أحجية الردع التصوري التي يعبّر عنها مسؤول مؤثر في تحديد استراتيجيات الدفاع الإيرانية. هذا النوع من التصريحات يحوّل نطاق الرد من رد محدود إلى رد جغرافي قابل للتوسع. وتتمثل نتيجة هذه الرسالة في زيادة حالة عدم اليقين لدى من يصممون سيناريو هجوم محدود.

في الواقع، عندما يُعلن أن أي عمل عسكري يمكن أن يُصاحبه رد يتجاوز منطقة النزاع ويستهدف أهدافاً إسرائيلية، فإن "نموذج الضربة منخفضة التكلفة" يفقد مصداقيته. يتماشى هذا تمامًا مع استراتيجية طهران الرئيسية: سدّ الطريق أمام وهم العمل المحدود. لا يُبنى الردع هنا بالأسلحة فحسب، بل أيضًا بتحديد نطاق الرد. أوضح شمخاني، عند إعلانه هذه المواقف، أن سقف رد إيران سيكون واسعًا، ولكنه سيبقى غامضًا بالطبع لجعل حساب التكلفة على الطرف الآخر أكثر تعقيدًا.

يُظهر تزامن هذه الرسائل مع المناورات البحرية المشتركة مع الصين وروسيا، وعروض الصواريخ الأخيرة، أن الخطاب والعمل الميداني مصممان في الاتجاه نفسه. تحمل الرسالة الدبلوماسية والأمنية والعسكرية موضوعًا مشتركًا: التفاوض ممكن، ولكن في ظل التوازن والردع، وليس التهديدات الأحادية.

يمكن تسمية الاستراتيجية العامة بـ"السيطرة على اللعبة قبل بدايتها". تسعى طهران إلى إبطاء التطورات، وتوسيع خيارات التواصل، والحفاظ على الدعم الدولي، ورفع تكلفة أي عمل عسكري في أذهان خصمها برسائل ردع واضحة، بما في ذلك التهديد بتوسيع نطاق الرد ضد إسرائيل.

 

تسعى طهران إلى إبطاء التطورات، وتوسيع خيارات التواصل، والحفاظ على الدعم الدولي فعالًا، ورفع تكلفة أي عمل عسكري في أذهان خصمها برسائل ردع واضحة، بما في ذلك التهديد بتوسيع نطاق الرد ضد إسرائيل.


في هذا الإطار، لا تعتبر رحلات شمخاني والقنوات الإقليمية والإجراءات المستهدفة مكونات منفصلة؛ بل هي أجزاء من تصميم واحد لتشكيل بيئة القرار قبل اتخاذ قرار مكلف.


نورنيوز
الكلمات الدالة
إیرانطهرانترتیب
تعليقات

الاسم

البريد الالكتروني

تعليقك