نورنيوز : من الواضح أن طلب القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الأخير من الحرس الثوري الإسلامي "التصرف باحترافية" خلال مناورة بحرية، أنه يبدو للوهلة الأولى، مجرد توصية فنية أو تحذير عسكري نمطي؛ ولكن مع مزيد من التمعن، يتضح أن هذا الطلب ينطوي على تناقض سلوكي ولفظي ومفاهيمي عميق لا يقتصر على الحرس الثوري أو إيران فحسب، بل يكشف عن أزمة هيكلية في الخطاب الأمني الغربي.
نظرا لأنها الذراع العسكرية الأمريكية في غرب آسيا، تطالب القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) "بالاحترافية" من قوة صنفتها حكومتها رسميًا "منظمة إرهابية". هذا التزامن بين المطالبة والتصنيف ليس مجرد زلة لسان أو تناقض عابر، بل هو دليل واضح على عجز الغرب عن التوفيق بين الواقع الميداني ورواياته الأيديولوجية التي وضعها لنفسه.
من جانب المنطق الكلاسيكي للقانون الدولي والعلاقات الدولية، يُعتبر "الإرهابي" جهة فاعلة غير شرعية؛ ليس طرفًا في المفاوضات، ولا يحق له التمتع بالحقوق العرفية للحرب، ويُعرَّف أساسًا بأنه خارج النظام الأمني المعترف به. إلا أن القيادة المركزية الأمريكية تعمل بعكس هذا المنطق تمامًا: فهي تتواصل مع الحرس الثوري الإيراني، وترسل إليه الرسائل، وتتوقع منه التصرف باحترافية، وتُذكِّره بالقواعد غير المكتوبة للاشتباك العسكري، والأهم من ذلك، أنها تُقر ضمنيًا بحق الحرس الثوري في إجراء مناورات عسكرية في المنطقة. هذا يعني قبول ما يُنكر على المستوى السياسي.
وقد أبرز وزير الخارجية الإيراني، سيد عباس عراقجي، هذا التناقض بذكاء في تغريدة له، مستخدمًا صورة بسيطة لكنها بالغة الدلالة (نصف الكرة الغربي للولايات المتحدة، مُحدد باللون الأصفر على الجانب الآخر من الكرة الأرضية، وحدود إيران باللون نفسه). وكتب: "طلبت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) من قوة عسكرية وطنية صنفتها الحكومة الأمريكية "منظمة إرهابية" أن تتصرف "باحترافية"؛ وفي الوقت نفسه، تعترف بحق إجراء مناورات عسكرية لنفس "المنظمة الإرهابية"! هذا المستوى من التناقض هو الواقع الذي يواجهه العالم اليوم، ومن المثير للاهتمام أن الحكومات الأوروبية قررت عمدًا اتباع المسار نفسه."
والسؤال الأساسي هو: كيف يمكن لقوة متمركزة على بعد آلاف الكيلومترات من أراضيها، على ساحل إيران وحول مضيق هرمز، أن تمنح نفسها الحق في التعليق على طريقة مناورة القوات المسلحة الإيرانية في أراضيها السيادية؟ هذا الوضع ليس مجرد نزاع سياسي أو عسكري؛ إنه انقلابٌ واضحٌ لمفهوم السيادة في النظام المزعوم للقانون الدولي. نظامٌ كان من المفترض أن يقوم على مبدأ احترام الحدود، واستقلال الدول، وعدم التدخل، يعمل الآن بطريقة تجعل الوجود العسكري العابر للأقاليم يبدو "طبيعياً"، وتجعل مناورات قوة محلية "تستدعي الملاحظة".
يتفاقم التناقض عندما ندرك أن هذا النهج ليس حكراً على الولايات المتحدة. فالحكومات الأوروبية، التي لطالما ادّعت العقلانية والتعددية والقانون الدولي، اختارت عملياً المسار نفسه. فمن جهة، مرافقةٌ فعّالة أو سلبية مع توجيه انتقادات سياسية للحرس الثوري؛ ومن جهة أخرى، قبولٌ ضمنيٌ لدوره كفاعل أمني رئيسي في الخليج الفارسي. في هذه المعادلة، لا تملك أوروبا القدرة على صياغة سردية مستقلة، ولا الإرادة لتجاوز ازدواجية المعايير التي وقعت أسيرةً لها.
لكن ما جعل هذا التناقض حتمياً هو الواقع المرير على أرض الواقع. سواءً أكان ذلك يرضي حسابات واشنطن أم لا، فقد رسّخ الحرس الثوري الإسلامي نفسه كقوة إقليمية مؤثرة على مدى عقود؛ قوة أثبتت قدرتها على الردع لا بالتصريحات بل بالأفعال، بدءًا من مواجهة الجماعات الإرهابية التكفيرية وصولًا إلى مقاومة العدوان المباشر والغير مباشر. هذا الواقع هو ما يدفع القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) إلى اللجوء إلى لغة "إدارة السلوك" و"توقعات الاحترافية" بدلًا من الإنكار الصريح.
ويمكن تحليل قضية مضيق هرمز في الإطار نفسه تماما. فحرية الملاحة والمرور الآمن للسفن التجارية ليسا تنازلًا سياسيًا قابلًا للتفاوض بالنسبة لإيران، بل هما ضرورة اقتصادية وأمنية وجيوسياسية حيوية؛ ضرورة لا تقل أهمية لجيرانها الجنوبيين على الخليج الفارسي. وخلافًا للرواية الغربية السائدة، فقد أظهرت تجربة العقود القليلة الماضية أن العامل الرئيسي في انعدام الأمن وعدم الاستقرار في هذا الممر الاستراتيجي لم يكن القوى المحلية، بل الوجود المستمر والمتزايد لقوى خارجية. وجودٌ لطالما أدى إلى تصعيد التوتر، لا إلى تخفيفه.
في هذا السياق، فإن دعوة القيادة المركزية الأمريكية للحرس الثوري الإيراني إلى "التحلي بالمهنية" تتجاوز كونها مجرد توصية أخلاقية أو فنية، فهي اعترافٌ ضمني بأنه بدون قبول دور الحرس الثوري، لا يمكن تصور أي معادلة مستدامة لأمن الخليج الفارسي ومضيق هرمز. هذا الاعتراف، وإن كان مُصاغًا في ثوب التناقض والغموض، يُعدّ مؤشرًا واضحًا على تحوّل موازين القوى وأزمة الخطاب في النظام الأمني الغربي.
إن عالمنا اليوم، كما يتضح من تغريدة عراقجي، تحكمه هذه التناقضات نفسها؛ تناقضات قد تخدم غرضًا دعائيًا وإعلاميًا على المدى القصير، لكنها على المدى البعيد تُقوّض الشرعية الأخلاقية والمفاهيمية لمن يدّعون امتلاك نظام عالمي. ربما لم يعد السؤال الرئيسي هو من يتصرف "بمهنية"، بل أيّ خطاب لا يزال قادرًا على تفسير واقع العالم وأيّ قانونٍ يُعتدّ به.
نورنيوز