معرف الأخبار : 272287
تاريخ الإفراج : 1/31/2026 3:40:14 PM
حاملات الطائرات الإيرانية: صدمة استراتيجية للعقيدة البحرية الأمريكية

حاملات الطائرات الإيرانية: صدمة استراتيجية للعقيدة البحرية الأمريكية

تسعى الولايات المتحدة مجددًا إلى ترسيخ تفوقها العسكري المطلق من خلال مناورة إعلامية عبر حاملات طائراتها؛ إلا أن واقع الحال في الخليج الفارسي يُظهر أن إيران، بعقيدتها الدفاعية غير المتكافئة وتنظيمها القتالي المتفرق، قد غيّرت معادلة الحرب البحرية تغييرًا جذريًا.

نورنيوز: لطالما استخدمت الولايات المتحدة حاملات الطائرات لعقود كرمز للتفوق العسكري والأداة الرئيسية لحربها النفسية. هذه السفن الضخمة ليست مجرد سلاح، بل هي أيضًا جزء من سردية القوة الأمريكية؛ سردية تحاول الإيحاء بأن ظهور حاملة طائرات أمريكية يعني حتمية نتيجة الحرب. تسعى المناورة الإعلامية المتعلقة بقوة هذه السفن إلى تحقيق هدفين في آن واحد: بثّ الخوف في نفوس الطرف الآخر، وفرض فكرة استحالة مواجهتها بفعالية.

وقد تكرر النمط نفسه في الأزمة الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة. إن التركيز المستمر من جانب وسائل الإعلام والمسؤولين الأمريكيين على وجود حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" في المنطقة، وما شابهها من معدات متجهة إليها، هو محاولة مألوفة لإظهار تفوق حاسم وتهيئة الرأي العام لأقصى قدر من الضغط. لكن المشكلة تكمن في أن هذه الرواية تعتمد بشكل أكبر على صور من حروب القرن العشرين الكلاسيكية، بدلاً من واقع ساحات المعارك اليوم؛ في حين أن معادلات الحرب البحرية، لا سيما في بيئات ضيقة ومعقدة كالخليج الفارسي، قد تغيرت جذرياً. من جهة أخرى، تمتلك إيران تجربة فريدة؛ من حربها مع العراق التي دامت ثماني سنوات إلى عقود من العقوبات الاقتصادية والعسكرية الشاملة. وقد دفعت هذه التجربة المتراكمة طهران إلى استنتاج أن الاعتماد على نماذج القوة التقليدية المكلفة ليس ممكناً ولا مرغوباً فيه. وقد أسفر هذا الفهم الاستراتيجي عن تطوير عقيدة دفاعية مبتكرة تركز على تحديد التهديدات بدقة، والاستخدام الذكي للقدرات الوطنية، وتحويل القيود إلى مزايا. عقيدة لا تجد معناها في استعراض القوة، بل في القدرة الحقيقية على الرد وفرض تكاليف باهظة على المعتدي.

لم تقتصر فعالية هذا النهج على الجانب النظري فحسب. كانت حرب الأيام الاثني عشر الأخيرة بمثابة برهان عملي على هذه الاستراتيجية ضد قوتين نوويتين مدججتين بالسلاح؛ حيث استقطب مزيج الطائرات المسيّرة والصواريخ والحرب الإلكترونية وشبكة القيادة اللامركزية اهتمام المحللين العسكريين محليًا ودوليًا. وقد أكد العديد من المراقبين صراحةً "فعالية" هذا النموذج؛ نموذج أظهر أن التفوق لا يعني بالضرورة معدات أكبر وأكثر تكلفة، بل كيفية تنظيم القدرات واستخدامها.

ومن أهم الأدلة على ذلك قيام روسيا والولايات المتحدة والصين بتقليد طائرة "شاهد 136" الإيرانية المسيّرة؛ وهي ثلاث قوى تُعدّ من بين أبرز اللاعبين العسكريين في العالم. يُظهر هذا بوضوح أن ابتكارات إيران الدفاعية لم تكن محلية وفعّالة فحسب، بل كانت مُلهمة أيضًا. عندما تتجه القوى العظمى إلى النماذج الإيرانية، لا يمكن الحديث عن "عدم تكافؤ مطلق" في هذا المجال.

وينطبق المنطق نفسه على المجال البحري. تعتمد استراتيجية الزوارق السريعة، التي تعود إلى سنوات الحرب مع العراق، على زيادة الحركة والرشاقة والقدرة على المناورة، وتقليل نقاط الضعف، وخلق عنصر المفاجأة. وبدلاً من التركيز على بناء حاملة طائرات ثقيلة ومكلفة، نشرت إيران ونظمت مجموعة من القدرات المكافئة في الزوارق السريعة. وتشمل هذه القدرات صواريخ كروز بحرية بمدى متنوع، وطوربيدات تحت سطحية، وأنظمة رادار وحرب إلكترونية، ومدفعية عالية العيار، وطائرات استطلاع وطائرات قتالية وطائرات انتحارية بدون طيار، وطائرات رباعية المراوح متعددة الأغراض، وأنظمة دفاع جوي، وغواصات غير قابلة للكشف، وزوارق انتحارية سريعة، وكلها جزء من التنظيم القتالي الهجومي لألوية البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني. إضافة إلى ذلك، يتم توفير الدعم الناري من صواريخ ثقيلة ساحلية-بحرية وصواريخ باليستية مضادة للسفن، فضلاً عن شبكة من الطائرات المسيرة الثقيلة، لدعم الوحدات العائمة في آن واحد. والنتيجة هي منظومة قتالية، بفضل كثرة وحداتها وانتشارها الواسع، تتمتع بقدرة عملياتية تعادل عدة حاملات طائرات، دون أن تعاني من القيود المتأصلة في السفن الكبيرة، كالحجم، ومحدودية الحركة، وارتفاع مستوى تعرضها للخطر في المساحة الجغرافية الضيقة للخليج العربي. صُممت هذه المنظومة بدقة بما يتماشى مع عقيدة الدفاع البحري الإيرانية في الممرات المائية المحدودة، وتتميز بقدرة عالية على عنصر المفاجأة.

وبهذا التعريف، تمتلك إيران اليوم عمليًا عدة "حاملات طائرات" في المنطقة؛ سفن غير متناظرة، منتشرة، منخفضة التكلفة، وقليلة التعرض للخطر. وقد ضاعف وجود قوات مدربة على دراية بجغرافية المنطقة هذه القدرة. في ظل هذه الظروف، لم تعد الحرب النفسية القائمة على استعراض حاملات الطائرات الأمريكية فعالة كما كانت في السابق، بل قد تنقلب ضد مصمميها. وكما أكد كبار المسؤولين العسكريين الإيرانيين سابقًا، فإن تكديس المعدات لا يضمن بالضرورة النجاح؛ ففي بعض الأحيان، يعني هذا التكديس ببساطة زيادة في الأهداف المتاحة.


نورنيوز
تعليقات

الاسم

البريد الالكتروني

تعليقك