نورنیوز

NourNews.ir

شناسه خبر : 340908 دوشنبه 2 شهریور 1405 15:26

لماذا لم تعد إيران مستعدة لدفع ثمن تعنّت أمريكا؟

تأتي زيارة عاصم منير إلى طهران في وقتٍ تواجه فيه الوساطة الباكستانية بين إيران والولايات المتحدة اختبارًا جديدًا؛ اختبارًا يسعى إلى تجاوز المأزق لا بالضغط على طهران، بل بتغيير سلوك واشنطن وتقبّل الحقائق الجديدة في المنطقة.

نورنيوز: تأتي زيارة المشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، إلى طهران في وقتٍ تسير فيه العلاقات الإيرانية الباكستانية على طريق تطوير علاقات شاملة، وقد سعت إسلام آباد أيضا في الأشهر الأخيرة إلى توفير أساس لإنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة واحتواء تداعياتها الإقليمية والعالمية كوسيط. ومع ذلك، فإن الواقع الميداني والسياسي اليوم يختلف اختلافًا جوهريًا عن الأيام التي بدأت فيها هذه المبادرة، ولن تُفضي الوساطة المستمرة إلى أي نتيجة دون فهم هذه التطورات.

الجوار؛ الركيزة الثابتة للعلاقات بين طهران وإسلام آباد

إيران وباكستان جارتان اختارتا مسار التفاعل والتقارب في سياستهما الخارجية. وانطلاقًا من مبدأ "حسن الجوار"، لطالما أكدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على تطوير العلاقات مع الدول المجاورة، ولم تفرض أي قيود على هذه العلاقات. كما تحتل باكستان مكانة خاصة في هذا السياق نظرًا لحدودها الطويلة مع إيران؛ لا سيما في ظل التحديات الأمنية التي يواجهها البلدان، وأنشطة الجماعات الإرهابية، والتدخلات الخارجية الرامية إلى خلق حالة من عدم الاستقرار والنزعة الانفصالية.

وفي المجال الاقتصادي، تسعى طهران وإسلام آباد إلى تحقيق هدف تجاري بقيمة 10 مليارات دولار، ويمكن تحقيق جزء كبير من هذا التعاون من خلال إنشاء محطات وأسواق ومراكز اقتصادية حدودية. كما يُعدّ مكافحة الإرهاب وضمان الأمن المستدام من المحاور المشتركة الأخرى للبلدين، والتي تمّ العمل عليها من خلال اتفاقيات دفاعية وإجراء مناورات مشتركة. من هذا المنطلق، تُعتبر زيارة عاصم منير امتدادًا طبيعيًا لعملية التقارب بين طهران وإسلام آباد؛ وهي عملية تحمل في طياتها إمكانية تحقيق مكاسب كبيرة لكلا البلدين.

الوساطة دون تغيير سلوك الولايات المتحدة لا طائل منها

على مدى الأشهر الماضية، سعت باكستان للتوسط بين إيران والولايات المتحدة، وأثمرت هذه الجهود عن مذكرة تفاهم إسلام آباد في يونيو/حزيران وتوقيعها من قبل رئيسي البلدين. وقد أجرت إسلام آباد مشاورات مكثفة مع الأطراف، بل وحتى مع جهات فاعلة إقليمية وعابرة للأقاليم، إلا أن مطالب أمريكا المفرطة، ووصفات ترامب غير الناجحة، ومحاولات كسر إرادة إيران بالضربات العسكرية، واستفزازات دول المنطقة، وانتهاك الالتزامات، وإصرار واشنطن على ممارسة نفوذها في معاقل الكيان الصهيوني، كل ذلك عرقل فعلياً مسار التفاهم.

في ظل هذه الظروف، يجب على الوسطاء مراعاة مبدأ أساسي في حساباتهم: لقد التزمت إيران ببنود التفاهم، وكانت ردود أفعالها رداً على نكث أمريكا بوعودها وعدوانها. لذا، فإن الوساطة تصبح مجدية عندما تركز على تغيير السلوك الموضوعي للولايات المتحدة، بدلاً من مطالبة إيران بالتراجع عن حقوقها المشروعة.

الوساطة لا تجدي نفعاً إلا إذا ركزت على تغيير سلوك الولايات المتحدة الموضوعي، بدلاً من مطالبة إيران بالتراجع عن حقوقها المشروعة.

لا يمكن لأحد أن يدّعي الوساطة ويصمت أمام عدوان واشنطن وانتهاكها لالتزاماتها وسياساتها الاستفزازية، مكتفيًا بمطالبة إيران بضبط النفس. يجب على الوسيط الحقيقي أن يُدرك ميزان المسؤوليات، لا أن يُحوّل الضغط من المعتدي إلى الضحية.

الحرب الاقتصادية: اختبار جديد للوسطاء

يُعدّ دخول المواجهة الإيرانية الأمريكية إلى الساحة الاقتصادية واقعًا آخر يجب على الوسطاء إيلاءه مزيدًا من الاهتمام. فالولايات المتحدة، التي فشلت في فرض مطالبها على إيران عسكريًا ودبلوماسيًا، شددت مجددًا على تكثيف الضغط الاقتصادي والعقوبات والحصار؛ وهي سياسة، رغم تاريخها الممتد لعقود، لا يمكن تجاهلها في الظروف الراهنة.

إن الحصار البحري وتكثيف العقوبات لا يتوافقان مع روح تفاهم إسلام آباد ومبادئ القانون الدولي والمعايير الإنسانية. لذلك، من الطبيعي أن نتوقع من الوسطاء، بدلًا من تحويل الضغط الاقتصادي إلى أداة لانتزاع تنازلات من إيران، العمل على رفع الحصار ومواجهة سياسات العقوبات الأمريكية.

 كذلك، لا ينبغي تفسير تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين بشأن المشاكل الاقتصادية، أو كلمات محافظ البنك المركزي حول عدم تحرير العملة بعد اتفاق إسلام آباد، على أنها دليل على ضعف الاقتصاد الإيراني أو فشله. إنّ توضيح المشاكل ودعوة الشعب إلى التكاتف دليل على الشفافية والإدارة الواقعية للأزمة، وليس دليلاً على الانهيار. وتُعدّ مرونة الاقتصاد الإيراني على مدى العقود الماضية، بما في ذلك خلال فترات الحرب والعقوبات الصعبة، دليلاً واضحاً على ذلك.

من جهة أخرى، يجب ألا يكون التقييم الاقتصادي أحادي الجانب. ينبغي على الوسطاء أيضاً مراعاة وضع الاقتصاد الأمريكي، والديون الضخمة، وارتفاع تكاليف الطاقة، والضغوط الداخلية في الولايات المتحدة. وخلافاً لما يتصوره واضعو سياسة الضغط القصوى، قد ينقلب الوضع الاقتصادي على إيران، مُحوّلاً الضغط عليها إلى تكلفة على الاقتصاد الأمريكي.

لن يعود هرمز إلى ما كان عليه

سواء حملت زيارة عاصم منير رسالةً لتعزيز الدبلوماسية أو مقدمةً لجولة جديدة من التطورات، فإنها لا تُغير حقيقةً واحدة: لن تعود الأوضاع في المنطقة ومضيق هرمز إلى ما كانت عليه قبل الحرب.

مع تأكيدها على الدبلوماسية، لا تعتبر إيران أمنها وسيادتها على مضيق هرمز أمرًا قابلًا للتفاوض، وقد غيّرت نهجها من "الصبر الاستراتيجي" إلى "معاقبة المعتدي واتخاذ إجراءات استباقية ضد التهديدات". لذا، ينبغي على الوسطاء أيضًا العمل وفقًا للواقع الجديد للمنطقة، وتجنب المطالبة بإعادة الأوضاع في هرمز إلى ما كانت عليه قبل الحرب.

أبقت إيران مسار الدبلوماسية مفتوحًا، لكنها في الوقت نفسه عززت قدراتها الدفاعية، مع التركيز على جاهزية الصواريخ والطائرات المسيّرة والدفاع. رسالة طهران واضحة: الدبلوماسية ضرورية إلى جانب الردع، وإذا استمر الحصار البحري، فسيتم كسره بكل الإمكانيات المتاحة.

من هذا المنظور، فإن المهمة الحقيقية للوسطاء ليست إجبار إيران على التراجع، بل إجبار الولايات المتحدة على العودة عن طريق العدوان، وخرق الوعود، وممارسة أقصى الضغوط، لأنه فقط من خلال تغيير سلوك واشنطن يمكننا أن نأمل في وساطة حقيقية ومتوازنة ومثمرة.

کلیه حقوق این سایت برای نورنیوز محفوظ است. نقل مطالب با ذکر منبع بلامانع است.
Copyright © 2024 www.NourNews.ir, All rights reserved.