نورنيوز: قرار ترامب الجديد بتسهيل استيراد 300 ألف طن من اللحم المفروم خلال 90 يومًا، رغم أنه يبدو ظاهريًا إجراءً اقتصاديًا ومحدودًا، إلا أنه في الواقع يرسم صورةً لتحوّل الحكومة الأمريكية من "استعراض القوة الخارجية" إلى "تكلفة المعيشة المحلية".
أعلن ترامب يوم الجمعة أن هذه الكمية من اللحوم ستدخل الولايات المتحدة دون فرض رسوم جمركية خارج حصة الاستيراد، مدعيًا أن اللحوم المستوردة ستُباع بسعرٍ يقل بنسبة 25% عن أسعار السوق الحالية. لم يُعلن البيت الأبيض بعد تفاصيل الاتفاقية، بما في ذلك الدول المُورِّدة وآلية ضمان هذا التخفيض في الأسعار. والأهم من ذلك، يأتي هذا القرار في وقتٍ تواجه فيه الولايات المتحدة أصغر قطيع ماشية لها منذ خمسينيات القرن الماضي، حيث يبلغ 86.2 مليون رأس.
ويضطر ترامب، الذي روّج للتعريفات الجمركية كأداة رئيسية لتعزيز الإنتاج المحلي، الآن إلى زيادة الإمدادات الأجنبية لخفض سعر سلعة أمريكية أساسية. وهذه ليست المرة الأولى. ففي فبراير/شباط، سمحت إدارته بالاستيراد السنوي لـ 80 ألف طن من لحم البقر قليل الدسم من الأرجنتين دون رسوم جمركية، وهو منتج يُستخدم على نطاق واسع لخلطه مع لحم البقر المحلي لصنع اللحم المفروم. وبينما قد تكون التعريفات الجمركية مهمة في القرار الجديد، إلا أنها تُعدّ قضية ثانوية وليست محورية. فالقضية الرئيسية هي أزمة غلاء المعيشة في أمريكا.
ولكن لماذا أصبح اللحم المفروم بهذه الأهمية بالنسبة لترامب؟ يكمن الجواب في سلسلة تبدأ بالحرب والطاقة وتنتهي في المتاجر الأمريكية.
وقد أثرت الحرب الإيرانية أولاً على أسواق الطاقة. رغم انخفاض أسعار النفط عن ذروتها الأولية، إلا أن آثار صدمة الطاقة على السلع، وخاصة الديزل، لا تزال قائمة. فقد أفادت رويترز في يونيو/حزيران أن أسعار الديزل في الولايات المتحدة ارتفعت بأكثر من 40% منذ بدء الحرب، مما زاد بشكل مباشر من تكلفة العمليات الزراعية.
والآن، مع اقتراب موسم الحصاد، يزداد الضغط. وذكر موقع أكسيوس أن أسعار الديزل في منتصف أغسطس/آب بلغت مستويات لم تشهدها منذ عقد، حيث يمثل الوقود ما بين 3 و5% من تكلفة إنتاج بعض المحاصيل. كما أدى الارتفاع المتزامن في أسعار الأسمدة إلى تقليص هوامش ربح المزارعين الأمريكيين، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الأعلاف.
لذا، لا يمكن تلخيص العلاقة بين الحرب وأسعار الغذاء بمجرد أسعار النفط. فارتفاع أسعار الوقود يعني ارتفاع تكاليف الزراعة والنقل، وبالتالي ارتفاع أسعار الغذاء. والديزل الذي يُشغل الجرارات والحصادات هو نفسه الذي يزيد من تكلفة نقل الأعلاف الحيوانية والمنتجات الزراعية. ونتيجة لذلك، قد تظهر أزمة الطاقة في أسعار الغذاء مع مرور الوقت.
وقد أصبح اللحم المفروم رمزًا مناسبًا؛ سلعةٌ تتأثر أسعارها، على عكس المؤشرات الاقتصادية المعقدة، بشكل مباشر على المستهلكين. وتسعى إدارة ترامب حاليًا إلى تخفيف هذا الضغط مؤقتًا بزيادة العرض؛ لكن هذا يكشف أيضًا عن حقيقة مهمة: لا يمكن للإنتاج المحلي الأمريكي زيادة المعروض من اللحوم بسرعة على المدى القصير.
سياسيًا، تُعدّ هذه المسألة أكثر حساسية. فقد واجه ترامب انخفاضًا ملحوظًا في شعبيته قبيل انتخابات التجديد النصفي. ويُظهر استطلاع رأي أجرته رويترز/إيبسوس مؤخرًا أن نسبة تأييده بلغت 33% فقط، وهي أدنى مستوى لها خلال فترة رئاسته. وفي الاستطلاع نفسه، ثمة قلق واسع النطاق بشأن استمرار الحرب مع إيران. وفي وقت سابق، أظهر استطلاع رأي أجرته رويترز/إيبسوس أن 35% فقط من الأمريكيين يؤيدون الحرب، وأن 58% يتوقعون تدهور أسعار البنزين.
تُظهر هذه الأرقام أن مشكلة ترامب لم تعد تقتصر على كيفية تبريره للحرب في واشنطن، بل أصبحت تهديدًا سياسيًا عندما تصل آثارها إلى جيوب الناخبين. فأسعار البنزين والديزل والمواد الغذائية، على عكس النقاشات الجيوسياسية، تُشكّل واقعًا يوميًا للأمريكيين.
في هذا السياق، ينبغي النظر إلى خطوة ترامب الأخيرة بشأن اللحم المفروم على أنها أكثر من مجرد قرار تجاري. فالرئيس يحاول تحويل أزمة خارجية ضخمة ومكلفة إلى سلسلة من المكاسب المحلية الصغيرة والملموسة، بدءًا من خفض أسعار الوقود وصولًا إلى ضبط أسعار اللحوم. والسؤال المطروح هو: هل تستطيع هذه الخطوات محو الآثار الاقتصادية للحرب من أذهان الناخبين قبل انتخابات الكونغرس؟
بدأ ترامب الحرب مع هرمز والنفط، لكن جزءًا من معركته السياسية الداخلية يُخاض الآن على رفوف المتاجر. ويتمثل الشاغل الرئيسي للبيت الأبيض الآن في أن الناخبين الأمريكيين قد يُقررون مستقبل سياسة ترامب الخارجية ليس من خلال خطة الخليج الفارسي- حيث لم يُحقق نجاحا يُذكر - بل من خلال سعر كيلوغرام اللحم المفروم، وغالون البنزين، وتكلفة تعبئة خزان السيارة.