نورنيوز: في رسالته الأخيرة، أعلن دونالد ترامب بدء ما وصفه بأنه "أكثر العمليات الاقتصادية تدميراً على الإطلاق ضد أي دولة"، وكتب: "ستكون هذه حرباً اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق". وهدد بأن أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو وكالاتها الحكومية بتقديم "أي نوع من الدعم" لإيران ستواجه "عواقب اقتصادية وخيمة". كما استهدف ترامب مبيعات النفط، وخطوط المقايضة، والتحويلات النقدية، وصرافة العملات، وتسجيل السفن، والشركات الوهمية، مختتماً حديثه بالقول: "سيكون هذا يوم النصر الاقتصادي".
في المصطلحات العسكرية، يُشير مصطلح "يوم النصر" إلى يوم بدء عملية عسكرية كبرى وحاسمة، وبالنسبة للعامة، يُشبه إلى حد كبير السادس من يونيو/حزيران عام ١٩٤٤، يوم بدء غزو نورماندي وغزو الحلفاء لأوروبا. لذا، عندما يتحدث ترامب عن "يوم النصر الاقتصادي"، فإنه يُشير إلى بدء هجوم اقتصادي شامل على إيران، هجوم سيستخدم العقوبات والنفط والقطاع المصرفي والشحن والضغط على الشبكات المالية بدلاً من الصواريخ والقنابل.
لكن وراء هذا الخطاب العدائي، تكمن حقيقة أكثر أهمية: ترامب لا يزال يُكرر نفس الخطأ الذي ارتكبه في ٢٩ مارس/آذار.
في ذلك اليوم، دخلت الولايات المتحدة والنظام الصهيوني الحرب بناءً على تقييم مفاده أن قدرة إيران على الرد، ومرونتها، وقدرتها على المواجهة قد ضعفت بشدة، وأن ضربة عسكرية قوية قد تُجبر طهران على الانهيار أو التراجع وقبول إرادة واشنطن. بل ذهب ترامب إلى حد الادعاء بأنه سيُحدد زعيم إيران المستقبلي! لكن الحرب الشاملة والمكثفة مع إيران لم تُفضِ إلى النتيجة التي كانت واشنطن تتوقعها، بل إن ترامب، مع فشل أمريكا عسكريًا، عاد إلى "الحرب الاقتصادية" ومنهج أسلافه الذين انتقدوا هذه الحرب بشدة، بدلًا من إعلان النصر.
هذا التحول بحد ذاته يُشير إلى تغيير في الساحة. فترامب، الذي كان من المفترض أن يُغير معادلة إيران بالقوة العسكرية، عاد الآن إلى الأداة نفسها: العقوبات والضغط الاقتصادي؛ مع اختلاف أنه هذه المرة استهان بقدرات إيران، ودخل مرحلةً مجهولة.
من جهة أخرى، لا يُمكن تجاهل تكلفة هذا المسار على الولايات المتحدة. فقد تجاوز الدين القومي الأمريكي 40 تريليون دولار، وأصبحت مدفوعات الفائدة من أثقل بنود الميزانية الفيدرالية، مما يُشكل تحديًا خطيرًا للهياكل السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية الأمريكية. وفي الوقت نفسه، يُعاني سوق الطاقة الأمريكي من ضغوط. فقد وصل سعر الديزل إلى حوالي 5.47 دولارًا للجالون، وهو مستوى قريب من الرقم القياسي التاريخي. ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن ارتفاع أسعار الديزل يزيد من تكلفة النقل والزراعة والتصنيع، وينقل ضغوطًا تضخمية إلى الاقتصاد برمته.
يُعدّ الديزل أكثر أهمية من البنزين لارتباطه المباشر بتكلفة نقل البضائع والشاحنات والآلات الزراعية والبناء وسلسلة التوزيع. لذا، فإن ارتفاع سعره لا يعني فقط ارتفاع تكلفة الوقود، بل يؤدي أيضًا إلى زيادة تكلفة الإنتاج والنقل، وبالتالي إلى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، ستكون لهذا الضغط تكلفة سياسية باهظة على إدارة ترامب. وقد أدى ارتفاع أسعار البنزين بالفعل إلى ضغوط كبيرة على الأسر الأمريكية، وتشير التقديرات إلى أن المستهلكين الأمريكيين سيدفعون عشرات المليارات من الدولارات كتكاليف إضافية.
من هذا المنظور، لا يُعدّ "اليوم الاقتصادي الحاسم" بالضرورة دليلاً على قوة ترامب، بل هو دليل واضح على محاولته التعويض عن الإخفاقات على الصعيد العسكري. بالنظر إلى سوء تقديره لقدرات إيران الاقتصادية وشبكاتها التجارية وقدرتها على الصمود، فضلاً عن سوء تقديره لقدراتها العسكرية قبل دخول الحرب، فإن خطوته الجديدة لن تُفضي بالتأكيد إلى النتيجة المرجوة لواشنطن.
سبق لترامب أن استهان بقدرة إيران على الرد، وكانت النتيجة حربًا فشلت في تحقيق أهدافه السياسية المعلنة، وتكبدت هزيمة نكراء. والآن، يتكرر الخطأ نفسه في صورة "حرب اقتصادية".
هذه المرة، يختلف واقع إيران اختلافًا جذريًا عن حسابات ترامب، و"اليوم الاقتصادي الحاسم" ليس يوم استسلام إيران، بل بداية الفشل الثاني لاستراتيجية ترامب وتصعيد الأزمة بالنسبة له؛ وذلك عشية انتخابات قد يكون الاقتصاد وأسعار الوقود فيها من أهم القضايا الحاسمة.