نورنیوز

NourNews.ir

شناسه خبر : 337094 شنبه 17 مرداد 1405 14:13

إتفاق مكة والمعادلة الإيرانية؛ اللعبة لم تبدأ بعد!

لا يمكن اعتبار إتفاق الدفاع السعودي الباكستاني التركي في مكة مجرد تحالف ضد إيران. فقد تشكّل هذا الاتفاق في خضمّ بيئة أمنية جديدة في غرب آسيا، في ضوء تجربة حرب اليمن، وجهود الرياض لتنويع شركائها الأمنيين؛ لكن رسالة عراقجي تُقدّم سردية أخرى لهيكلية الأمن في المنطقة.

نور نيوز: تشهد التطورات الأمنية في غرب آسيا مرحلة مختلفة. فبعد سنوات من الحرب والتنافس والتدخلات الخارجية والتجارب الأمنية المكلفة، تواجه دول المنطقة اليوم أكثر من أي وقت مضى سؤالاً مشتركاً: كيف، وعلى أي آلية، ينبغي ضمان أمن المنطقة مستقبلاً؟

في ظل هذه الظروف، لا يمكن اعتبار اتفاقية الدفاع بين السعودية وباكستان وتركيا في مكة مجرد اتفاق عسكري ثلاثي. تكمن أهمية هذه الاتفاقية، أكثر من بنودها المعلنة، في الرسالة التي تبعثها حول جهود بعض دول المنطقة لإعادة تعريف علاقاتها الأمنية.

بحسب الأحكام المعلنة، يُعتبر أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هجوما على الدول الثلاث جميعها، وقد أكد الأعضاء على تطوير التعاون الدفاعي وتعزيز الردع المشترك. مع ذلك، لا تزال تفاصيل الالتزامات العملياتية لهذا الاتفاق غير واضحة، ولا يمكن اعتباره تشكيلًا لـ"حلف ناتو جديد" في المنطقة. ما تم تشكيله حتى الآن هو أقرب إلى إطار سياسي-أمني لزيادة الردع وتنويع الشركاء الأمنيين منه إلى هيكل عسكري عملياتي متكامل.

ومن هذا المنطلق، تجدر الإشارة إلى تركيبة أعضاء هذا الاتفاق. فباكستان تمتلك قدرات عسكرية ونووية كبيرة؛ وتركيا تمتلك جيشًا قويًا وخبرة عملياتية وصناعة دفاعية نامية؛ أما السعودية فتتمتع بقوة مالية وطاقة وموقع جيوسياسي مميز. وقد يُعطي اجتماع هذه القدرات الثلاث الرياض والشريكين الآخرين ثقلًا أكبر في حسابات الأمن الإقليمي.
... في ردود الفعل الأولية على اتفاق مكة، قيّم بعض المحللين ووسائل الإعلام الإقليمية والدولية الاتفاق على أنه محاولة من جانب السعودية لتعزيز الردع ضد إيران وإرساء توازن جديد في مواجهة النفوذ الإقليمي لطهران، لا سيما بعد فشل الولايات المتحدة في الحرب الأخيرة مع إيران، وإثبات إيران أن قوتها العسكرية الداخلية هي الأكبر في العالم. وبناءً على هذا التفسير، فإن وجود باكستان كقوة عسكرية ونووية، وتركيا كأحد أهم اللاعبين العسكريين والدفاعيين في المنطقة، قد يُمكّن الرياض من زيادة قدرتها على الردع ضد ما يُنظر إليه على أنه تهديدات محتملة من إيران. إلا أن اختزال اتفاق مكة إلى مجرد ترتيب مناهض لإيران لا يُفسر جميع جوانب هذا التطور، لأن حسابات السعودية الأمنية قد تشكلت في السنوات الأخيرة بفعل مجموعة من التهديدات والتجارب الأمنية والمخاوف المتراكمة. لذا، لفهم أسباب إبرام هذا الاتفاق، يجب النظر إلى البيئة الأمنية السعودية في ضوء هذه العوامل مجتمعة، وليس فقط في علاقتها بإيران.

فمن جهة، خاضت السعودية تجربة الحرب اليمنية وهجمات الحوثيين الصاروخية والمسيرة؛ أظهرت تجربةٌ أن حتى جهةً غير حكوميةٍ قادرةٌ، بالاعتماد على تقنيات الصواريخ والطائرات المسيّرة، على استهداف العمق الاستراتيجي والبنية التحتية الحيوية لقوة إقليمية كبرى تمتلك جيشًا حديثًا مُجهزًا وتحظى بدعم الولايات المتحدة الأمريكية. من جهة أخرى، زادت التنافسات والتوترات الإقليمية، والحروب المستمرة، وعدم الاستقرار في البيئة المحيطة، من تعقيد حسابات الرياض الأمنية.

من هذا المنظور، يُمكن اعتبار حلف مكة جزءًا من جهود المملكة العربية السعودية لتنويع خياراتها الأمنية مع استمرار التعاون مع واشنطن. لا تعني هذه العملية بالضرورة النأي بالنفس عن الولايات المتحدة، بل قد تُشير إلى أن الرياض لا ترغب في إبقاء أمنها معتمدًا كليًا على شريك أجنبي، وتُفضل امتلاك شبكة من الشركاء الأقوياء.

في الوقت نفسه، تُعد إيران بلا شك أحد المتغيرات المهمة في البيئة الأمنية الإقليمية؛ لكن تحويل حلف مكة برمته إلى "تحالف مناهض لإيران" يُقدم صورةً مُبسطةً للواقع. شهدت العلاقات بين طهران وأنقرة، وطهران وإسلام آباد، وحتى طهران والرياض، على مدى السنوات الماضية، علاقات متعددة المستويات ومتغيرة، اتسمت أحيانًا بالحوار وخفض التصعيد. لذا، من الأدق اعتبار اتفاق مكة جزءًا من إعادة تشكيل موازين القوى والترتيبات الأمنية في المنطقة؛ إعادة تشكيل تُعد إيران فيها لاعبًا رئيسيًا، وإن لم تكن بالضرورة هدفها النهائي.

لكن الأهم من الاتفاق نفسه هو طريقة تعامل طهران معه، حيث لم تُصدر إيران بعد ردًا رسميًا مباشرًا على اتفاق مكة. مع ذلك، يمكن اعتبار الرسالة الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني، السيد عباس عراقجي، ردًا ضمنيًا هامًا من حيث التوقيت والمضمون؛ مع أنه لا يمكن الجزم بأن هذه الرسالة صدرت ردًا على اتفاق مكة فقط.

يؤكد عراقجي أولًا على فرضية أساسية: لقد تم اختبار القوة العسكرية الإيرانية ميدانيًا.

يكتب: "أثبتت القوات المسلحة الإيرانية القوية جاهزيتها وكفاءتها وسلطتها في مواجهة أقوى قوة عسكرية في العالم".

لا يُعدّ هذا مجرد إشادة بقدرات إيران الدفاعية، بل هو بمثابة ردع. ويعني ذلك أن القوة العسكرية الإيرانية لم تقتصر على مجرد ادعاءات أو قدرات كامنة، بل خضعت لاختبار حقيقي في مواجهة فعلية. لذا، إذا كان جزء من حسابات حلف مكة يهدف إلى تعزيز نفوذها في مواجهة إيران، فإن طهران تريد أن توضح أن معادلة القوة لا يمكن حسابها ببساطة من خلال عدد المعاهدات وعدد الشركاء.

وهنا تكمن رسالة ثانية أكثر أهمية: إيران لا تستورد أمنها من الخارج. فقوة إيران الدفاعية مبنية على قدرات محلية وخبرة عملياتية، ولهذا السبب، فإن إنشاء ترتيبات أمنية جديدة حول إيران لا يعني بالضرورة تغيير التوازن الاستراتيجي.

لكن عراقجي لا يكتفي بذلك. فلو كانت رسالته مجرد ردع، لكان بإمكانه الاكتفاء بهذا التصريح حول القوة العسكرية الإيرانية. يُظهر الجزء الثاني من الرسالة بوضوح أن طهران تُقدم عرضًا سياسيًا مختلفًا.

يقول عراقجي: "عندما يتحد المسلمون ويتكاملون، يستطيعون الصمود بقوة وحزم في وجه أي تحدٍّ يُمثله الأجانب الحاقدون".

ثم يُلقي الجملة المحورية:

"لقد حان الوقت للاعتماد على أنفسنا فقط، ولنُعزز الأخوة الحقيقية".

يجب أخذ هذا الجزء من الرسالة على محمل الجد أكثر من مجرد دعوة عامة للوحدة الإسلامية. في الواقع، لا ينكر عراقجي مبدأ التعاون الدفاعي بين الدول الإسلامية؛ بل يُنافس على النموذج الأمثل لهذا التعاون.

بعبارة أخرى، لا تُوضح طهران سبب تعاون السعودية مع باكستان وتركيا؛ بل إنها تقول إنه إذا أرادت الدول الإسلامية أن تتحد من أجل أمنها، فيجب أن يقوم هذا التحالف على "الاعتماد على الذات" و"حسن الجوار" و"الأخوة الحقيقية"، لا على التبعية لقوى خارجية.

هذه هي النقطة التي تحوّل رسالة عراقجي إلى رسالة استراتيجية. يحدد ميثاق مكة نموذجًا للأمن الجماعي بين الدول الثلاث؛ بينما يتحدث عراقجي عن أمن جماعي أكثر شمولًا وعلى مستوى المنطقة.

وبالتالي، يمكن النظر إلى رسالة طهران على أنها ذات ثلاثة مستويات: أولًا، الردع وتأكيد القوة الوطنية؛ ثانيًا، الترحيب بالتقارب والتعاون بين الدول الإسلامية؛ ثالثًا، اقتراح نموذج أمني قائم على الاعتماد على الذات الإقليمي وتقليل الاعتماد على القوى الخارجية.

من هذا المنظور، فإن رد إيران ليس سلبيًا ولا تصادميًا. لم تُصوّر طهران ميثاق مكة كتهديد مباشر، ولم تدخل في حرب كلامية ضده. بل سعت إلى تغيير قواعد اللعبة: من "إيران في مواجهة تحالف جديد" إلى "منافسة حول كيفية بناء الأمن الإقليمي".

يُعدّ هذا النهج بالغ الأهمية من منظور دبلوماسي، فإذا صوّرت إيران حلف مكة على أنه تحالفٌ مناهضٌ لها فحسب، فإنها ستضع نفسها في موقف دفاعي. أما إذا أكدت أن التعاون بين الدول الإسلامية أمرٌ مرغوبٌ فيه بطبيعته، وأن الاختلاف الوحيد يكمن في درجة الاعتماد على القوى الخارجية وكيفية تعريف الأمن الإقليمي، فبإمكانها أن تُقدّم نفسها كجزءٍ من الحل المستقبلي.

في الواقع، ربما لا يكون السؤال الأهم هو: "ضد أي دولة يُشكّل حلف مكة؟" بل: من سيُصمّم بنية الأمن المستقبلية لغرب آسيا؟

إذا بُني أمن المنطقة المستقبلي على تحالفات محدودة وعلاقات أمنية مع قوى خارجية، فقد يكون حلف مكة أولى بوادر اتجاه جديد. أما إذا اتجهت دول المنطقة نحو آليات أكثر شمولاً، وحوار أمني، واعتماد على القدرات المحلية، فقد يكون حلف مكة مجرد مرحلة من مراحل الانتقال إلى بنية أكثر تعقيداً.

إذا اتجهت دول المنطقة نحو آليات أكثر شمولاً، وحوار أمني، واعتماد على القدرات المحلية، فقد يكون حلف مكة مجرد مرحلة من مراحل الانتقال إلى بنية أكثر تعقيداً. في هذه المعادلة، لا يمكن اعتبار إيران، بحكم موقعها الجيوسياسي وعمقها الاستراتيجي وقدراتها العسكرية المحلية وخبرتها الميدانية المُثبتة، طرفًا يُمكن تصميم بنية الأمن الإقليمي دون أخذها في الحسبان. لذا، قد يكون رد طهران هو أن إيران ليست ضد أمن جيرانها، ولا ترغب في تعريف نفسها كطرفٍ مسؤول عن أمن الآخرين؛ بل تعتبر نفسها إحدى ركائز الأمن الإقليمي المستقبلي.

من هذا المنظور، يُمكن اعتبار رسالة عراقجي مُلخصًا استراتيجيًا لموقف طهران:

قد يكون إتفاق مكة بدايةً لتحالف جديد؛ لكن من السابق لأوانه وصفه بكتلة مُعادية لإيران أو حلف شمال الأطلسي الإسلامي. ما يُمكن قوله بيقين أكبر هو أن غرب آسيا قد دخلت مرحلةً لم يعد فيها التنافس الرئيسي مُقتصرًا على القوة العسكرية فحسب، بل على تعريف بنية الأمن الإقليمي المستقبلية، وامتلاكها، وتصميمها. وفي هذه المنافسة، فإن مكة وطهران وأنقرة وإسلام أباد ليست مجرد نقاط على الخريطة؛ بل هي جزء من معادلة أكبر ستحدد إجابتها مصير النظام الأمني ​​المستقبلي لغرب آسيا.

کلیه حقوق این سایت برای نورنیوز محفوظ است. نقل مطالب با ذکر منبع بلامانع است.
Copyright © 2024 www.NourNews.ir, All rights reserved.