نورنيوز: في الأيام الأخيرة، لجأ بعض المسؤولين الأمريكيين إلى حجة شبه قانونية، تبدو ظاهريًا وكأنها قواعد دولية، لتبرير إمكانية مهاجمة البنية التحتية للطاقة في إيران. وتتلخص هذه الحجة في أن البنية التحتية للطاقة تدعم اقتصاد البلاد، والاقتصاد يغذي القوة العسكرية، وبالتالي يمكن تصنيف هذه المنشآت على أنها "أهداف لدعم الحرب".
للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الحجة منطقية للبعض؛ لكن القضية الحقيقية ليست إيران، ولا حتى مصفاة نفط أو حقل غاز. القضية تكمن في تغيير بطيء ولكنه عميق في فلسفة قانون الحرب. تغييرٌ، لو أصبح ممارسةً، لوسع مفهوم "الهدف العسكري" ليشمل تقريبًا جميع المؤسسات الحيوية للمجتمع. وهنا تحديدًا تبرز الحاجة إلى تجاوز النقاش القانوني البحت والتوجه نحو سؤال استراتيجي: هل ما تُقدم عليه الولايات المتحدة اليوم مجرد تفسير لمادة قانونية، أم محاولة لإعادة صياغة قواعد الحرب وقلبها رأسًا على عقب؟ في القانون الدولي الإنساني، يكمن المبدأ في حصر نطاق الحرب، لا توسيعه. تقوم فلسفة اتفاقيات جنيف وقواعد الحرب العرفية على فرضية أنه حتى في خضم الأعمال العدائية، يجب الحفاظ على حدود واضحة بين المجتمع المدني والأهداف العسكرية. "مبدأ التمييز" و"مبدأ التناسب" و"مبدأ الضرورة العسكرية" هي الركائز الثلاث لهذا الهيكل القانوني. وهدفها واضح أيضًا: منع الحرب من تحويل المجتمع بأسره إلى ساحة معركة. لكن التفسير الواسع لمفهوم "أهداف دعم الحرب" يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا لهذه الفلسفة.
... إذا كان مجرد الارتباط الاقتصادي بالقدرات الدفاعية والعسكرية كافيًا لتبرير الهجوم، فلن يبقى أي حدود. تُعتبر مصفاة النفط هدفًا لأنها تُدرّ إيرادات، وكذلك محطة توليد الطاقة. فلماذا لا تُستهدف شبكات إمدادات المياه، والموانئ، والسكك الحديدية، ومصانع الصلب، ومراكز البيانات، والشبكات المصرفية، والبنية التحتية للاتصالات، أو حتى مراكز إنتاج الغذاء؟ تُساهم جميع هذه الموارد، بشكل أو بآخر، في استمرار الحياة الاقتصادية والإدارية لأي بلد، وكل اقتصاد، شاء أم أبى، يُخصص جزءًا من موارده للدفاع. والنتيجة المنطقية لهذه الحجة هي انهيار مبدأ التمييز.
ما يتشكل في خطاب واشنطن السياسي ونهجها هو تحول خطير في اللغة القانونية للحرب. ففي الماضي، كانت القوى العظمى عادةً ما تُقدم على العمل العسكري أولًا ثم تسعى إلى تبريره قانونيًا. أما اليوم، فقد انعكس هذا التوجه؛ إذ يُعاد تعريف المفاهيم القانونية أولًا لتوسيع نطاق العمل العسكري. هذا ما يُشير إليه بعض الفقهاء بـ"إضفاء الشرعية على الحرب"، ليس بمعنى أن الحرب أصبحت أكثر شرعية، بل بمعنى أن المصطلحات القانونية تُستخدم تدريجيًا لتطبيع وتبرير نطاق أوسع من العنف.
هذا التطور ليس مجرد نقاش نظري. تُظهر تجربة العقدين الماضيين كيف تحولت مفاهيم مثل "الدفاع الاستباقي" و"الدفاع الوقائي" و"الحرب العالمية على الإرهاب"، وحتى بعض التفسيرات الواسعة لـ"ضرورة العمل العسكري"، من الاستثناء إلى القاعدة. والآن، ثمة مخاوف من أن يسلك مفهوم "غرض دعم الحرب" المسار نفسه؛ وهو مفهوم، إذا فُسِّر دون ضوابط، لن يكون استثناءً بل رخصةً لمهاجمة شرايين الحياة الأساسية للدول.
من منظور قانوني، يُعد هذا التطور موضع شك كبير. يُفرِّق القانون الدولي الإنساني بين المشاركة الفعالة والمباشرة في العمل العسكري والدور العام في الاقتصاد الوطني. فكون عائدات صناعة ما تُحوَّل في نهاية المطاف إلى الميزانية العامة لا يجعلها في حد ذاتها هدفًا عسكريًا. لو كان الأمر كذلك، لما استُثني أي نشاط اقتصادي تقريبًا في العالم من نطاق الأهداف المحتملة للحرب. هذا التفسير يحوّل مفهوم "الهدف العسكري" من معيار تقييدي إلى وسيلة لإزالة هذا التقييد.
علاوة على ذلك، فإن البنى التحتية للطاقة ليست مجرد أصول اقتصادية، بل هي بنية الحياة الاجتماعية. فالكهرباء في المستشفيات، وأنظمة تنقية المياه، والنقل العام، وسلسلة إمداد الأدوية، والاتصالات، وإنتاج وتخزين الغذاء، وعشرات الخدمات الحيوية الأخرى تعتمد على هذه الشبكة. إن مهاجمتها ليس مجرد عمل ضد القدرة الاقتصادية للدولة، بل هو عمل له عواقب إنسانية واسعة النطاق ومتوقعة على ملايين المدنيين. وبالتالي، حتى في الحالات التي يوجد فيها خلاف حول طبيعة الهدف، فإن مبدأي التناسب والاحتياط يظلان يفرضان قيودًا صارمة على استخدام القوة.
لكن ربما يكون السؤال الأهم هو مستقبل النظام الدولي. فإذا كان من المقبول اليوم أن أي بنية تحتية حيوية يمكن أن تكون هدفًا مشروعًا للحرب نظرًا لدورها الاقتصادي، فإن هذه القاعدة لن تقتصر على دولة واحدة غدًا. إنّ الحجة نفسها التي تُطرح اليوم لتبرير إنشاء مصفاة في عسلوية بإيران، على سبيل المثال، يُمكن تطبيقها غدًا على خطوط نقل الطاقة في أوروبا، ومحطات الغاز في آسيا، وشبكات الكهرباء في أي مكان آخر في العالم. فالقواعد القانونية، إذا ما أُريد توسيع نطاقها، لا تخضع للجغرافيا.
على مدى عقود بعد الحرب العالمية الثانية، سعى المجتمع الدولي إلى الحد من الحروب ضمن قواعد تمنع تحوّل المجتمع بأسره إلى ساحة معركة. واليوم، يكمن الخطر في أن هذا الإنجاز سيتآكل لا بتصريحات رسمية، بل بالتغير التدريجي للمفاهيم القانونية. فالحروب لا تبدأ دائمًا بالصواريخ؛ أحيانًا تُطلق الطلقة الأولى بلغة قانونية، حيث تفقد الكلمات معناها تدريجيًا، وتصبح الاستثناءات هي القاعدة دون أن يلاحظ أحد.
من هذا المنظور، لا تقتصر المسألة على أمن مصفاة نفط أو حقل غاز، بل تتعداها إلى حماية ذلك الحد القانوني الدقيق الذي إذا انهار، لن تبقى حربًا بين جيوش، بل ستشمل المجتمع بأسره. ولعلّ أعظم مسؤولية تقع على عاتق القانون الدولي في القرن الحادي والعشرين ليست إيجاد كلمات جديدة لتبرير الحرب، بل منع استخدام لغة القانون لتوسيع رقعة المعركة.