شهد حقل غاز فارس الجنوبي، أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، في مارس الماضي، حدثًا مروعًا؛ هجومًا تم التخطيط له وتنفيذه بالتنسيق والموافقة المباشرة من الولايات المتحدة وإسرائيل ضد منشآت النفط والغاز الإيرانية في عسلوية. كان الهدف من هذا الهجوم ضرب قلب قطاع الطاقة في البلاد وتعطيل مستويات الإنتاج. إلا أن ما حدث في الأشهر التي تلت هذا الحادث لم يكن توقفًا أو يأسًا، بل كان تجليًا للإرادة أظهر أن البنية التحتية الاستراتيجية لإيران، تتجاوز مجرد الهياكل المعدنية، فهي مرتبطة بمعرفة وحماس المتخصصين.
في هذه الايامللل تلقى أحد أهم مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية للبلاد أخبارًا مبشرة؛ فقد تجاوزت عمليات إزالة الأنقاض والتنظيف وتأمين مصفاة جنوب فارس الثالثة (المرحلتين الرابعة والخامسة)، بعد أشهر من العمل المتواصل على مدار الساعة وتجاوز عقبات تقنية جسيمة، نسبة ٩٠٪. ولا يُعد هذا النجاح مجرد خبر تقني، بل خطوة هامة نحو استقرار إنتاج الغاز خلال فصل الشتاء المقبل وضمان أمن الطاقة في البلاد.
ومن البديهي أن إعادة تأهيل المنشآت التي تعمل باستمرار منذ عقود تُصاحبها دائمًا تحديات غير متوقعة. فبيئة المصفاة، نظرًا لظروف الضغط والحرارة الخاصة وقِدم المنشآت، لا تُتيح مجالًا لإجراء تغييرات هيكلية بسهولة. ومع ذلك، فقد تمكنت الفرق الهندسية، من خلال تبني استراتيجية "الإدارة المركزية"، من فتح جميع المراحل التقنية للمشروع تباعًا.
بحسب الدراسات التي أُجريت، كان من أهم القرارات الاستراتيجية في هذا المشروع تفعيل سبعة خطوط عمل في وقت واحد خلال الساعات الأولى من بدء العمليات. وقد ساهم هذا الإجراء، الذي رافقه تجهيز سريع ومتواصل للورشة، في تقليل وقت الهدر في المشروع إلى أدنى حد، ما مكّن هذا المجملع من تجاوز جميع البرامج المجدولة في وقت قصير، على الرغم من بدء العمليات في وقت لاحق مقارنةً بالأقسام الأخرى.
كما أن ما أثار إعجاب خبراء النفط، إلى جانب التقدم المادي، هو السجل المذهل في مجال السلامة. ففي بيئة قد يؤدي فيها أدنى خطأ بشري أو تقني إلى أضرار لا يمكن إصلاحها، يُشير تسجيل أكثر من 750 ألف ساعة عمل دون حوادث إلى ترسيخ ثقافة تنظيمية دقيقة وقائمة على المعايير. ويُعدّ هذا الرقم رمزًا لانضباط الفريق الذي أثبت إمكانية الجمع بين السرعة والسلامة المطلقة في خضم أصعب العمليات الصناعية.
وفي الوقت نفسه، يعتبر الخبراء وجود مجموعة بتروبارس كمدير لهذه المهمة الحساسة نقطة تحول. عادت شركة بتروبارس، التي تربطها علاقة تاريخية وثيقة بمنطقة جنوب فارس، والتي كانت المصمم والمنفذ الأصلي لهذه المصفاة، هذه المرة بنهج مختلف لإعادة إحياء مهدها التقني. وبالاعتماد على القدرات المحلية والإدارة القائمة على المعرفة، تمكنت المجموعة من إدارة تعقيدات إعادة بناء مصفاة عاملة بفضل خبرتها التقنية المتأصلة، وأثبتت عمليًا أن إعادة إحياء الأصول الاستراتيجية أمر ممكن وفعّال، مع الثقة في القدرات المحلية.
والآن، ومع اقتراب عمليات إزالة الأنقاض والتنظيف من نهايتها، تم توفير البنية التحتية اللازمة للمرحلة النهائية، وهي إعادة البناء والتحديث الشامل للمعدات. ويمثل إنجاز هذه المرحلة بنجاح عودة قلب إنتاج الغاز النابض إلى مساره الرئيسي.
هذا الإنجاز، أكثر من كونه مجرد تقرير إحصائي، هو رسالة أمل لقطاع النفط الإيراني؛ فمن خلال التغلب على الصعوبات والقيود التشغيلية، استطاعت الخبرة الإدارية التقنية نقل أصل استراتيجي من وضع حرج إلى حافة التعافي الكامل. وبهذا السجل الحافل، أثبتت شركة بتروبارس أنه حتى في ظل العقوبات الصعبة والظروف التقنية الصعبة، ومع الإدارة المركزية والمعدات المتوفرة في الوقت المناسب، يمكن الحفاظ على استمرار الإنتاج في مركز الطاقة بالبلاد.