لا ينبغي النظر إلى التطورات الأخيرة في الخليج الفارسي على أنها مجرد سلسلة من الأحداث العسكرية أو توترات متقطعة بين إيران والولايات المتحدة. بل هي في الواقع أول اختبار استراتيجي بعد مذكرة التفاهم التي وقّعها البلدان بهدف إدارة الأزمة ومنع تصعيد التوترات. مع ذلك، أثارت تحركات الولايات المتحدة بعد توقيع هذه المذكرة تساؤلاً جوهرياً لدى المحللين: إذا كانت واشنطن قد قبلت البند الخامس من مذكرة التفاهم، فلماذا لا تزال تسعى للحد من القدرات الجيوسياسية الإيرانية في مضيق هرمز، بينما تستخدم في الوقت نفسه أدوات سياسية وأمنية وتشكيل تحالفات إقليمية؟
إن الإجابة على هذا السؤال هي مفتاح فهم استراتيجية أمريكا الجديدة. فقد أظهرت الحرب الأخيرة أن مضيق هرمز لا يزال أهم ورقة ضغط جيوسياسية لإيران في المعادلات الإقليمية. ورغم استخدام الولايات المتحدة لقدراتها العسكرية الواسعة، إلا أنها عجزت عن إزالة هذه الورقة، كما أظهرت إيران أنها تمتلك الإرادة والقدرة على التأثير في هذا الممر الاستراتيجي؛ وهو عامل لعب دوراً هاماً في فشل أمريكا في تحقيق بعض أهدافها السياسية.
لذا، يبدو أن واشنطن قد حوّلت استراتيجيتها من المواجهة العسكرية المباشرة إلى محاولة تغيير التوازن السياسي والقانوني والأمني في الخليج الفارسي. إنّ بناء توافق إقليمي، وتشكيل تحالف مع دول جنوب الخليج الفارسي، ومحاولة تدويل أمن المضيق، واتباع مسارات بديلة، كلها أمور يمكن تحليلها في إطار هذه الاستراتيجية. بعبارة أخرى، لم يتغير الهدف، بل تغيرت الأدوات.
والسؤال الأهم هو: لماذا لا تزال أمريكا تعتبر الاستمرار في هذا المسار خيارًا منخفض التكلفة؟ يكمن الجواب في مفهوم الردع. فالردع لا يقتصر على منع الحرب فحسب، بل يكون فعالًا عندما يثني الطرف الآخر عن مواصلة العمل ضد المصالح الاستراتيجية للبلاد. إذا ما تم السعي لتحقيق الأهداف نفسها بوسائل أخرى بعد التوصل إلى تفاهم سياسي، يثور التساؤل عما إذا كان الردع قد نجح في تغيير حسابات الطرف الآخر الاستراتيجية بشكل كافٍ.
الحقيقة هي أنه لا يمكن لأي اتفاق سياسي بمفرده أن يمنع الطرف الآخر من تغيير سلوكه. ما يُغير سلوك الحكومات هو تقييمها لتكاليف وفوائد أفعالها. عندما يتشكل الاعتقاد بإمكانية خلق واقع جديد في الساحة الجيوسياسية دون تكلفة فعّالة، يتعزز الحافز على الاستمرار في المسار نفسه.
من هذا المنظور، لا يقتصر الرد على محاولة تغيير التوازن الجيوسياسي على إصدار بيان أو احتجاج دبلوماسي. يصبح الردع ذا جدوى عندما تُستخدم مجموعة من الأدوات السياسية والاقتصادية والقانونية والدبلوماسية والدفاعية بشكل منسق لزيادة تكلفة الإجراءات الأحادية وتغيير حسابات الطرف الآخر الاستراتيجية. يهدف الردع إلى منع ترسيخ واقع جديد من خلال زيادة تكاليفه السياسية والاستراتيجية.
في مثل هذه الظروف، يكون السعي القانوني والسياسي والدبلوماسي أكثر فعالية عندما يُصاحبه استراتيجية ردع موثوقة ومتعددة الأبعاد؛ استراتيجية تُوصل رسالة مفادها أن تغيير التوازن الجيوسياسي من جانب واحد ليس إجراءً زهيد التكلفة، بل هو مسار مكلف دون تحقيق نتائج مستدامة.
في مثل هذه الظروف، يكون المسعى القانوني والسياسي والدبلوماسي أكثر فعالية عندما يُصاحبه استراتيجية ردع موثوقة ومتعددة الأبعاد؛ استراتيجية تُوصل رسالة مفادها أن تغيير التوازن الجيوسياسي من جانب واحد ليس إجراءً زهيد التكلفة، بل مسار مكلف دون تحقيق نتائج مستدامة. وبناءً على ذلك، من الضروري إدراج الاستخدام الفعال للأدوات التي أدى استخدامها خلال الحرب إلى إضعاف قدرة أمريكا على الصمود، وتحويل مسار المواجهة من عسكرية إلى سياسية، على جدول الأعمال بجدية.
ويُعدّ الحصار المُدار لمضيق هرمز، والمواجهة الشاملة لأي عمل يهدف إلى الحد من القدرات الجيوسياسية الإيرانية عبر إنشاء طرق بديلة للمرور عبر المضيق، أهم إجراء يجب أن يكون في صدارة القرارات العملياتية لصناع القرار. ومن خلال ممارسة ضغط حقيقي ونفسي على سوق الطاقة، سيزيد هذا الإجراء بشكل كبير من تكلفة قرارات الولايات المتحدة الرامية إلى الحد من القدرات الجيوسياسية الإيرانية، وسيعزز عمليًا قدرة إيران على الردع.
وإذا ما تطور هذا التوجه، فسيُمكن تنفيذ المساعي القانونية والسياسية والدبلوماسية بدعم أقوى، مما سيُجبر الطرف الآخر على مواجهة حقيقة أن إيران، كما كانت قبل وقف إطلاق النار، لا تزال تمتلك الإرادة والقدرة على مواجهة أي عمل يضر بمصالحها بشكل شامل.
إن ما يُمكن أن يُعزز الاستقرار ليس مجرد اتفاقيات مكتوبة، بل تكوين حسابات مستدامة بين جميع الأطراف تُؤكد أن تكلفة تغيير الوضع الراهن ستكون أكبر من فوائده المُحتملة.