وسط ردود الفعل العالمية الواسعة النطاق على الاتفاق الإيراني الأمريكي الأولي، تبنت الدول الأوروبية مواقف فردية وضمن إطار الاتحاد الأوروبي؛ مواقف، بدلاً من أن تعكس دورها الحقيقي والفعّال، تجعل تراجع واستنزاف البنية الغربية أكثر وضوحًا للجميع.
في غضون ذلك، وفي موقف حاد، صرّحت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، قبل اجتماع مجموعة السبع في فرنسا بشأن رفع العقوبات عن إيران بعد الاتفاق الإيراني الأمريكي، قائلةً: "لدينا إطار عقوبات ضد إيران يستجيب لمحورين رئيسيين؛ أحدهما انتهاكات حقوق الإنسان والآخر أسلحة الدمار الشامل، ومبدأ العقوبات هو أنه قبل أي رفع، نحتاج إلى تغيير حقيقي في السلوك".
وفي هذا الصدد أيضاً، ودون الإشارة إلى عدوان الولايات المتحدة والنظام الصهيوني على المنشآت النووية الإيرانية وسلوكهما الإجرامي الذي ينتهك القانون الدولي، زعمت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة في بيان مشترك استعدادها لرفع العقوبات المفروضة مقابل "خطوات واضحة من جانب إيران في برنامجها النووي". ودون الإشارة إلى أن إيران، وفقاً لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، لها الحق في الاستفادة من المعرفة النووية، وتجاهلاً أيضاً مبادئ القانون الدولي، بما في ذلك حق إيران في الدفاع عن النفس وإدارة مضيق هرمز، زعمت هذه الدول "التزامها بأداء دورها لتحقيق هذا الهدف، وفقاً للمتطلبات القانونية ذات الصلة، بما في ذلك من خلال مهمة دفاعية مستقلة تماماً لضمان الملاحة التجارية وإجراء عمليات إزالة الألغام".
أوروبا واستمرار هذه المزاعم المتناقضة؛ تكرار نمط قديم لاستعراض القوة
إنّ هذه الادعاءات من جانب الأوروبيين، بدلاً من أن تكون دليلاً على القوة، هي تكرار لنمط قديم متجذر في الأزمات الداخلية والخارجية التي تعاني منها أوروبا، وهم يحاولون إخفاء هذه الحقيقة من خلال سلوك غير عقلاني ومفرط.
يزعم رئيس المفوضية الأوروبية أن إطار العقوبات يستند إلى انتهاكات حقوق الإنسان وأسلحة الدمار الشامل، بينما، أولاً، ووفقاً للقرارات، فإنّ غالبية هذه العقوبات تستند إلى ادعاءات كاذبة حول الأنشطة النووية الإيرانية، وهي في الواقع تتعارض مع القانون الدولي وحقوق إيران القانونية بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
ثانياً، تُثار ادعاءات أوروبا بشأن حقوق الإنسان في حين اعترف الموساد ووكالات الاستخبارات الأمريكية مؤخراً بالتخطيط لعمليات قتل وتدمير واسعة النطاق من داخل إيران على مدى السنوات الماضية، وتُعدّ أحداث يناير/كانون الثاني دليلاً على هذه الخطط.
في ظل هذه الظروف، لا يمكن لأوروبا أن تدّعي أنها مناصرة لحقوق الإنسان، في حين أنها لم تُبدِ أي رد فعل على هذه الاعترافات، وتستمر في ترويج روايات كاذبة ضد إيران.
في مثل هذه الظروف، لا يمكن لأوروبا أن تدّعي أنها مناصرة لحقوق الإنسان، في حين أنها لم تُعلّق على هذه الاعترافات، وتستمر في ترويج روايات كاذبة ضد إيران. ثالثًا، تؤكد تقارير عديدة صادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية على سلمية الأنشطة النووية الإيرانية، في حين أن حائزي الأسلحة النووية، ولا سيما الدول الغربية، يوسعون قدراتهم غير السلمية بوتيرة متسارعة.
رابعًا، التزمت أوروبا، التي تُردد شعار مكافحة أسلحة الدمار الشامل، الصمت إزاء هذه التوجهات، وفي الوقت نفسه دعمت أو التزمت الصمت إزاء هجمات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على المنشآت النووية الإيرانية.
خامسًا، تتخذ أوروبا موقفًا داعمًا لحقوق الإنسان، بينما، وفقًا لتقرير السيدة إيلينا دونهان، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالتدابير القسرية الأحادية، فإن العقوبات المفروضة على إيران تستهدف الشعب الإيراني بشكل مباشر، وتُشكل جرائم ضد الإنسانية؛ وهي قضية يجب محاسبة مرتكبيها والمسؤولين عنها ومعاقبتهم.
أوروبا وأزمة الشرعية في مواجهة الرأي العام العالمي
من جهة أخرى، التزمت أوروبا الصمت إزاء جرائم الكيان الصهيوني في غزة ولبنان، فضلاً عن العدوان المشترك بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بما في ذلك استشهاد طلاب مدرسة ميناب، وبالتالي فقدت حقها في التعبير عن حقوق الإنسان، وأصبحت الآن شريكة في هذه الجرائم.
لا تستطيع أوروبا التهرب من حكم الرأي العام بتوجيه الاتهامات ورفع الدعاوى ضد الدول الأخرى؛ بينما يطالب اليوم جزء من الدول الأوروبية بقطع العلاقات ومواجهة الكيان الصهيوني.
يُظهر سجل أوروبا أن هذا الاتحاد قد تم استبعاده عملياً من لعب دور فعال على الساحة الدولية بسبب سلوكه غير العقلاني وتنازله عن استقلاليته للولايات المتحدة واللوبي الصهيوني.
الاستبعاد التدريجي لأوروبا من المعادلة العالمية
لم يقتصر تأثير هيمنة الشخصيات السياسية الصغيرة على البنية الأوروبية، والتي لا تتمتع بشرعية كافية حتى داخل بلدانها، على تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية فحسب، بل حوّل أوروبا أيضاً، من خلال تأجيج الحرب في أوكرانيا، واتباع السياسات الأمريكية، وتجاهل الانتهاكات الواسعة النطاق للقانون الدولي وحقوق الإنسان في أعمال الكيان الصهيوني، إلى فاعل غير فعّال ومتلاشٍ في النظام الدولي. واليوم، لا تلعب أوروبا دوراً حاسماً حتى في معادلات حليفتها القديمة، الولايات المتحدة، وهي عاجزة عن استعادة مكانتها المنهارة في النظام العالمي بتكرار المزاعم والغطرسة السياسية.
نهاية عهد الترهيب وانهيار وهم القوة
يجب على أوروبا أن تُدرك أن عهد الترهيب غير العقلاني قد ولّى؛ فمن جهة، إيران ليست دولةً تستسلم للضغوط، ومن جهة أخرى، لا يقبل المجتمع الدولي بمثل هذا السلوك.
لذا، فإن مصير أوروبا لن يكون سوى العزلة وتراجع دورها في المعادلات العالمية. تدفع أوروبا اليوم ثمن حساباتها الخاطئة، ولا يُمكنها تحمّل التكاليف السياسية والاقتصادية والأمنية المترتبة على هذا المسار؛ فالخلافات والمطالبات من هذا القبيل لا تُؤدي إلا إلى غرقها في مستنقعٍ يزداد غرقًا يومًا بعد يوم.
رحّبت الدول الأوروبية بهذا الاتفاق، مع أن سلوكها لا ينبع من حسن النية أو حب السلام، بل من إدراكها لقوة إيران العسكرية وتماسكها الوطني في مختلف المجالات، فضلًا عن الحاجة المُلحة لفتح ممرات الطاقة الحيوية، بما فيها مضيق هرمز.
الترحيب المشروط وضرورة تغيير نهج أوروبا
رحّبت الدول الأوروبية بهذا الاتفاق، مع أن سلوكها لا ينطلق من حسن النية أو حب السلام، بل من إدراكها لقوة إيران العسكرية وتماسكها الوطني في مختلف المجالات، فضلًا عن الحاجة المُلحة لفتح ممرات الطاقة الحيوية، بما فيها مضيق هرمز.
اتخذت هذه الدول إجراءات سياسية ضد إيران في مجلس الأمن ومجلس المحافظين قبل الاتفاق، في حين توجد أدلة على تعاون ودعم لوجستي من بعضها للولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
يجب أن تدرك هذه الدول أن عهد الإجراءات المجانية قد ولّى، وأن انفتاح مضيق هرمز بات محكوماً بقواعد وخطط جديدة تراعي المصالح الوطنية الإيرانية.
أخيرًا، فقدت العقوبات والتهديدات جدواها، ولتجنب أزمات اقتصادية أعمق، تُجبر هذه الدول على مراجعة نهجها السابق تجاه إيران، والتخلي عن التدخلات، واتباع نهج بناء الثقة. في ظل هذه الظروف، ستُفعّل إيران أيضًا قدراتها في التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف بعد التحقق من ذلك.
لا تكاد أوروبا تُشارك في المفاوضات الحالية، وقد أُقصيت من ساحة صنع القرار؛ لذا، وللعودة إلى المعادلة الدولية، من الضروري تغيير سلوكها، ويُعدّ النأي بنفسها عن التبعية لأمريكا واللوبيات الصهيونية جزءًا هامًا من هذا التغيير.