نورنيوز : في خضم الأزمات العالمية المتفاقمة، ولا سيما التداعيات الاقتصادية والأمنية للحرب التي تشنها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران، وفي ظلّ وضع طهران، بتخليها عن ممارساتها السابقة في مضيق هرمز، إدارة حركة المرور في هذا الممر المائي الاستراتيجي بذكاء على جدول الأعمال، استضافت سنغافورة حوار شانغريلا الثالث والعشرين يوم الجمعة؛ وهو اجتماع حضره وزراء دفاع، وكبار القادة العسكريين، وخبراء استراتيجيون أمنيون من مختلف أنحاء آسيا والمحيط الهادئ، وأوروبا، وأمريكا الشمالية، وممثلون عن 40 دولة.
في غضون ذلك، لم تقتصر تصريحات وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيت على ترديد أوهام قديمة لا تتناسب مع الواقع، بل زادت من حدة التوتر تجاه الصين؛ وهو نهج أقرب إلى سلوك تاجر أسلحة منه إلى سلوك مسؤول أمني. يأتي هذا في حين كشفت الظروف على أرض الواقع، من جهة، عن الطبيعة الوهمية لاستعراض هيغسيت للقوة، ومن جهة أخرى، عن تزايد انعدام الثقة بحلفاء الولايات المتحدة.
الترويج للمخاوف الأمنية؛ من وزارة الحرب إلى تسويق الأسلحة
حاول هيغسيت تقديم صورة قوية لأمريكا في عهد ترامب بالاستعانة بالإحصاءات والمزاعم العسكرية، بينما عكست تصريحاته حول الصين، وإدارة الممرات المائية، وإصراره على زيادة الإنفاق العسكري للحلفاء، استراتيجية واشنطن التقليدية المتمثلة في إعطاء الأولوية للأمن على حساب الاقتصاد، واستنزاف جيوب الدول من خلال مبيعات الأسلحة.
رغم ادعائه بأن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بتعهداتها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فإن تصريحاته بأن "عهد الدعم الأمريكي للدول الغنية قد ولّى" وأن على حلفاء واشنطن إنفاق ما لا يقل عن 3.5% من ناتجهم المحلي الإجمالي على الدفاع وإلا "سيواجهون تغييراً واضحاً في أسلوب تعاملنا" كشفت أكثر من أي شيء آخر عن الطبيعة الحقيقية للسياسة الخارجية الأمريكية؛ سياسة انحدرت من ادعاء الوساطة إلى الابتزاز والهيمنة.
هذا النهج يحوّل وزير الحرب الأمريكي فعلياً إلى مسوّق أسلحة؛ تماماً كما ركّز ترامب على مبيعات الأسلحة أكثر من أي شيء آخر في رحلاته الخارجية. يُظهر هذا السلوك أن هيكل الحكم في الولايات المتحدة مهتم بتأمين مصالح شركات الأسلحة الكبرى أكثر من أي شيء آخر؛ شركات يُقال إن لعائلة ترامب وهيغسيت استثمارات واسعة فيها.
ومن الجدير بالذكر أيضاً تكرار سياسة كراهية الصين في شرق آسيا، وكراهية روسيا في أوروبا، وكراهية إيران في العالم العربي؛ وهي استراتيجية استخدمتها واشنطن لسنوات لتبرير وجودها العسكري ومبيعات أسلحتها. تُعدّ تصريحات هيغسيت المعادية للصين، لا سيما في سياق زيارة ترامب الأخيرة المُهينة لبكين، دليلاً واضحاً على إصرار أمريكا على سياسات طموحة في شرق آسيا؛ سياسات تُعتبر تهديداً للأمن الإقليمي والعالمي.
الواقع على الأرض في مواجهة استعراض واشنطن للقوة
خُصص جزء كبير من خطاب هيغسيت لتوجيه اتهامات ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث ادّعى: "قدرتنا على استئناف العمليات عند الضرورة حاضرة تماماً. مخزوناتنا من الأسلحة كافية لمثل هذا العمل، سواء في المنطقة أو في أنحاء أخرى من العالم، بفضل التوازن الذي حققناه بين الأسلحة المتطورة والذخائر واسعة النطاق".
كما أكّد وزير الحرب الأمريكي أن ترامب لن يقبل إلا اتفاقاً يعتبره "صفقة عظيمة".
مع أن هذه التصريحات تُعتبر متوافقة مع جهود البيت الأبيض الدعائية لتصوير الحرب على أنها انتصار، إلا أن الواقع على الأرض لا يُطابق هذه الادعاءات. من جهة، لم تتراجع إيران عن خطوطها الحمراء في المفاوضات، ومن جهة أخرى، تواصل طهران إدارتها الذكية لمضيق هرمز. إضافةً إلى ذلك، قوبل أي انتهاك لوقف إطلاق النار من جانب الولايات المتحدة برد إيراني حازم، وقد أكدت طهران مرارًا وتكرارًا أنها، إلى جانب الدبلوماسية، على أهبة الاستعداد التام لمواجهة أي حرب محتملة.
في غضون ذلك، يُعد تراجع ترامب المتكرر عن مواقفه التهديدية والمتسلطة، فضلًا عن سلوكه المتناقض تجاه عُمان، دليلًا واضحًا على ارتباك أمريكا واضطراب وضعها؛ لدرجة أن العديد من
المحللين والمنظرين الدوليين يعتقدون أنه لا خيار أمام ترامب في نهاية المطاف سوى قبول الهزيمة.
تراجع الثقة: حلفاء فقدوا الثقة
على الرغم من محاولة هيغسيت تقديم صورة مطمئنة عن أمريكا في قمة سنغافورة، إلا أن مواقف الحاضرين في القمة، والاتجاه المتزايد للدول نحو النأي بنفسها عن واشنطن، لا سيما بعد التطورات المتعلقة بمضيق هرمز، أظهر أن الثقة بأمريكا قد تراجعت أكثر من أي وقت مضى.
ويُعتبر إصرار المسؤولين الأمريكيين على مبدأ "إسرائيل أولاً"، فضلاً عن انهيار ما يُزعم من هيمنة عسكرية لواشنطن على إيران، من أهم العوامل في هذا التوجه.
وفي السياق نفسه، وخلال قمة شانغريلا الأمنية في سنغافورة، انتقد الرئيس الفيتنامي تو لام ضمنياً الممارسات القسرية الأمريكية على الساحة الدولية، وخاصة الحرب المفروضة على إيران، وصرح بأن النظام العالمي يتطلب الحوار وضبط النفس أكثر من أي شيء آخر، لا التهديدات والإكراه.
في إشارة إلى ضرورة الحفاظ على السلام والاستقرار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، أكد قائلاً: "إن ما تسعى إليه المنطقة ليس مجرد وجود أي قوة عظمى أو غيابها، بل ما تحتاجه هو التزام مسؤول".
وتعكس هذه المواقف، التي طرحها أحد الشخصيات البارزة الحاضرة في الاجتماع، بوضوح تراجع مكانة الولايات المتحدة عالميًا وتراجع ثقة الدول بهذه القوة الغربية؛ وهو اتجاه يُعتبر مؤشرًا على تغيرات جوهرية في بنية النظام الدولي.
اجتماعان، نهجان: هل هو بيع للأمن أم بناء له؟
عُقد اجتماع سنغافورة، الذي ركز على القضايا الأمنية والعسكرية، بينما عُقد الاجتماع الرابع عشر لكبار المسؤولين الأمنيين في موسكو قبله، بمشاركة ممثلين عن نحو 120 دولة، من بينها الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ورغم أن كلا الاجتماعين كانا ذوي طابع أمني، إلا أن هناك اختلافات جوهرية بينهما من حيث المضمون والنهج. ففي اجتماع سنغافورة، حاولت الولايات المتحدة حث الدول على زيادة الإنفاق العسكري وشراء الأسلحة بتبرير النزعة العسكرية، وإثارة الحروب، وبيع الأمن. بينما شددت قمة موسكو على التقارب، وخفض التصعيد، والتعاون المتبادل، وتحقيق سلام دائم من خلال التعاون الجماعي ومواجهة العوامل المهددة.
كشف هذا التباين الواضح في المناهج، ولا سيما تصريحات هيغسيت، مرة أخرى عن الطبيعة المُسببة للأزمات للسياسات الأمريكية، وأظهر أن واشنطن ليست الحل للأزمات العالمية، بل هي جزء من جذورها؛ وهو وضع جعل المواجهة المنسقة مع الولايات المتحدة وحليفها، الكيان الصهيوني، ضرورة لتحقيق سلام وأمن دائمين في العالم.
في غضون ذلك، لعبت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بالاعتماد على قدراتها الميدانية، ودعمها الشعبي، وكفاءاتها الدبلوماسية، وإدارتها الذكية المستمرة لمضيق هرمز، دورًا حاسمًا في تشكيل هذه العملية.